بركة يَعِد الشباب بـ”مغرب الثقة” وينسى أن حزب الاستقلال شريك في حكومة فقدت ثقة الشباب

هبة زووم – الرباط
عندما يتحدث الأمين العام لحزب الاستقلال، نزار بركة، عن “الثقة” ويدعو إلى بناء “مغرب الثقة”، يصبح من حق المواطن أن يتساءل: الثقة في من؟ ومن الذي يتحمل مسؤولية إعادة بنائها؟
فالأمر لا يتعلق بزعيم حزب يوجد في صفوف المعارضة ويشخص أعطاب الحكومة من الخارج، وإنما بأمين عام حزب يشكل أحد مكونات الأغلبية الحكومية، وحزبه كان حاضراً في صناعة القرار الحكومي خلال الولاية الحالية، وبالتالي فإن الحديث عن الشباب وسوق الشغل والتكوين والثقة لا يمكن أن ينفصل عن مسؤولية الحكومة التي يشارك فيها حزب الاستقلال.
ومع اقتراب الاستحقاقات التشريعية المقبلة، يبدو أن الخطاب السياسي بدأ يدخل تدريجياً منطقة مألوفة: التشخيص الانتخابي لأعطاب السنوات الخمس الماضية، وكأن أصحاب التشخيص لم يكونوا جزءاً من السلطة التي كانت تملك أدوات معالجتها.
فقد أكد نزار بركة أن الشباب كانوا منطلق إعداد البرنامج الانتخابي المقبل لحزب الاستقلال، معلناً إيلاء هذه الفئة اهتماماً خاصاً ضمن الالتزامات الانتخابية المقبلة.
وخلال لقاء مع قيادة الشبيبة الاستقلالية، تحدث بركة عن “ميثاق 11 يناير للشباب”، الذي قالت قيادة الحزب إنه استند إلى تشخيص لوضعية الشباب، وشمل نحو 15 ألف شاب وشابة في 600 جماعة قروية وبلدية ومدينة.
تشخيص مهم بلا شك، لكن السؤال الذي لا ينبغي الهروب منه هو: ماذا فعل حزب الاستقلال، وهو داخل الحكومة، بكل هذه المعطيات؟ فإذا كان 15 ألف شاب وشابة قد ساهموا في تشخيص واقع الشباب، وإذا كانت مشاكلهم معروفة، وإذا كان سوق الشغل يعاني من اختلالات، وإذا كانت أزمة الثقة أصبحت، حسب بركة، الإشكال الحقيقي، فلماذا ننتظر حتى اقتراب الانتخابات حتى يتحول هذا التشخيص إلى عنوان سياسي؟
بركة قال إن التحدي الذي يواجه الشباب لا يرتبط فقط بالعمل أو الدخل أو التكوين، وإنما يتعلق أساساً بالثقة، وهنا يصعب الاختلاف معه، لكن الثقة لا تُبنى بالخطابات، فالثقة تُبنى عندما يجد الشاب فرصة عمل، وعندما يشعر أن المباراة العمومية عادلة، وأن التكوين يقوده إلى سوق الشغل، وأن الإدارة تستمع إليه، وأن البرامج الحكومية لا تبقى مجرد عناوين براقة في التقارير الرسمية.
والأهم من ذلك أن الثقة تُبنى عندما يعرف المواطن من المسؤول عن القرار، ومن يملك أدوات تنفيذه، ومن يتحمل مسؤولية فشله، وحزب الاستقلال، في هذه الحالة، ليس مجرد متفرج، إنه جزء من الأغلبية الحكومية.
ومن هنا، فإن الحديث عن “مغرب الثقة” من داخل الحكومة يقتضي قبل كل شيء تقديم حصيلة واضحة: ماذا تحقق؟ ماذا لم يتحقق؟ ولماذا؟ أما الانتقال مباشرة من مقاعد الحكومة إلى منصات الوعود الانتخابية، فيعطي الانطباع بأن الحملة بدأت قبل موعدها، وأن كل حزب يريد الاحتفاظ بمزايا السلطة، وفي الوقت نفسه غسل يديه من كلفة تدبيرها.
وتوقف بركة أيضاً عند وضعية سوق الشغل، متحدثاً عن وجود خصاص في قطاعات معينة، مقابل استمرار أعداد من الشباب في البحث عن فرص مهنية، وربط جزءاً من المشكلة بضعف التواصل والمعلومات حول الفرص المتاحة، خصوصاً في القطاع الخاص.
مرة أخرى، تشخيص يبدو منطقياً، لكن الشباب لا يعيش أزمة معلومات فقط، فالشاب الذي يبحث عن عمل منذ سنوات لا يحتاج فقط إلى أن يعرف أين توجد الوظيفة، وإنما يحتاج إلى أن يجد وظيفة أصلاً، والذي يحمل شهادة ولا يجد فرصة لا تعوزه بالضرورة المعلومة، وإنما تعوزه سياسة عمومية قادرة على تحويل النمو الاقتصادي إلى فرص عمل حقيقية ومستدامة، أما اختزال المشكلة في التوجيه والتواصل وتقوية المهارات، فإنه قد يكون جزءاً من الحل، لكنه لا يمكن أن يكون الحل كله.
فإذا كانت الحكومة تعترف بوجود خصاص في قطاعات معينة وارتفاع الطلب على الشغل في قطاعات أخرى، فالسؤال الذي ينتظر جواباً سياسياً هو: ماذا فعلت الحكومة لردم هذه الهوة خلال ولايتها؟
المفارقة أن بركة يدعو الشبيبة الاستقلالية إلى تبني البرنامج والتعريف به والانفتاح على الشباب والاستماع إلى انتظاراتهم وتقديم البدائل والحلول، وكل ذلك مشروع حزبياً، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول **البديل الانتخابي إلى خطاب منفصل عن المسؤولية الحكومية السابقة، فحزب الاستقلال لا يدخل الانتخابات المقبلة بصفته حزباً لم يسبق له أن شارك في تدبير المرحلة، إنه يدخلها وهو يحمل معه تجربة حكومية، ووزراء، وقرارات، ومواقف، ووعوداً، وحصيلة يفترض أن يقدمها للرأي العام قبل أن يقدم برنامجاً جديداً.
وهنا لا بد من طرح السؤال الذي قد يكون أكثر إزعاجاً من كل الشعارات: هل سيقدم حزب الاستقلال برنامجه المقبل باعتباره امتداداً لما أنجزته الحكومة، أم باعتباره قطيعة مع ما أخفقت فيه؟ إذا كان امتداداً، فعليه الدفاع عن الحصيلة، وإذا كان قطيعة، فعليه أن يشرح للمغاربة لماذا لم يُحدث التغيير وهو داخل الحكومة ويمتلك أدواته، أما أن تتحول الانتخابات إلى مناسبة لإعادة اكتشاف مشاكل الشباب، ثم تقديم حلول لها، دون تحديد مسؤولية السنوات الماضية، فذلك هو بالضبط ما يزيد أزمة الثقة التي يتحدث عنها بركة.
المغاربة اليوم، وخاصة الشباب، لا يحتاجون إلى من يشرح لهم أن الثقة مهمة، هم يعرفون ذلك أكثر من السياسيين، لكنهم يريدون أن يعرفوا من يستحق الثقة ولماذا، يريدون أرقاماً عن فرص الشغل، وحصيلة عن التكوين، وتقييماً للبرامج الحكومية، ومؤشرات واضحة عن الفئات التي استفادت، وأسباب فشل البرامج التي لم تحقق أهدافها، أما أن يتحول الشباب إلى عنوان انتخابي كلما اقترب موعد الاقتراع، ثم يعود إلى هامش الاهتمام بمجرد إغلاق الصناديق، فهذه ليست أزمة تواصل.
ولهذا، فإن “مغرب الثقة” الذي تحدث عنه نزار بركة لن يبدأ من برنامج انتخابي جديد فقط، سيبدأ من الاعتراف بالمسؤولية، ومن تقديم الحصيلة كاملة، بما لها وما عليها، ومن الإجابة عن سؤال بسيط لكنه ثقيل: إذا كان حزب الاستقلال يعرف منذ سنوات أن الشباب يعانون من أزمة شغل وثقة وتكوين، وكان شريكاً في الحكومة التي تملك مفاتيح الحل، فلماذا لم يبدأ بناء «مغرب الثقة» منذ دخوله إلى السلطة؟
ذلك هو السؤال الذي سيظل يطارد الخطاب الانتخابي، مهما كانت بلاغة الشعارات وجمال البرامج، لأن الناخب، في النهاية، لا يصوت فقط على ما تعده به الأحزاب غداً.. بل يحاسبها أيضاً على ما فعلته بالأمس.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد