سلا.. محلات نجارة وسط حي سكني بسيدي موسى تزعج السكان والسلطة تتحرك لمعاينة الضرر

هبة زووم – سلا
لم تعد شكايات سكان شارع الجولان بحي سيدي موسى بمدينة سلا مجرد تذمر عابر من ضجيج أو إزعاج يومي، بعدما تحولت وضعية محلات النجارة الخشبية المزاولة لنشاطها وسط الحي السكني إلى ملف يستدعي تدخلاً ميدانياً من السلطات والجهات المختصة، في ظل حديث السكان عن أضرار مستمرة تمس راحتهم وصحتهم وحقهم في العيش داخل بيئة سليمة وهادئة.
وفي تطور لافت، وجه قائد الملحقة الإدارية باب سبتة مراسلة إلى رئيس جماعة سلا، عبر الشرطة الإدارية وتحت إشراف السلم الإداري، يدعوه من خلالها إلى الحضور يوم الثلاثاء 11 غشت 2026 على الساعة الحادية عشرة صباحاً لإجراء معاينة ميدانية للشكاية التي تقدم بها سكان شارع الجولان، على أن تكون نقطة الانطلاق من مقر الملحقة الإدارية باب سبتة.
هذه الخطوة تضع الملف أمام اختبار حقيقي، لأن القضية لم تعد مرتبطة فقط بما يقوله السكان أو بما تنقله الشكايات، وإنما أصبحت تستوجب معاينة تقنية وقانونية دقيقة تحدد طبيعة النشاط، ومدى ملاءمته مع الطابع السكني للمنطقة، ووضعية التراخيص، وشروط السلامة، ومدى احترام المقتضيات المتعلقة بحماية البيئة والصحة والسكينة العامة.
وبحسب مضمون الشكاية الموجهة إلى السلطة المحلية، فإن السكان يتحدثون عن أضرار يقولون إنها أصبحت ملازمة لحياتهم اليومية، من بينها انبعاث روائح قوية ومؤذية نتيجة استعمال مواد الصباغة والمواد الكيميائية، فضلاً عن الضجيج المرتفع الناتج عن آلات النجارة، واستمرار العمل خلال ساعات مبكرة من الصباح، بما يؤثر، حسب تعبيرهم، على راحة السكان وسكينتهم.
ولم تتوقف الشكاية عند حدود الإزعاج، بل أشارت إلى ما تعتبره الساكنة تأثيراً مباشراً لهذه الأنشطة على الأطفال وكبار السن والمرضى، وهو ما يجعل المسؤولية أكبر من مجرد خلاف بين جيران أو اختلاف حول استعمال فضاء مشترك.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: كيف سمح أصلاً باستمرار نشاط مهني من هذا النوع داخل محيط سكني إذا كانت طبيعة النشاط وشروط ممارسته لا تنسجم مع راحة السكان وسلامتهم؟
فإذا كانت المحلات تتوفر على التراخيص القانونية وتستجيب لجميع الشروط المطلوبة، فإن على الجهات المختصة أن تقدم التوضيحات اللازمة للسكان، وأن تحدد بدقة طبيعة هذه التراخيص وحدودها وشروطها.
أما إذا كشفت المعاينة عن وجود اختلالات أو تجاوزات أو أضرار ثابتة، فإن الأمر يتطلب ترتيب الآثار القانونية اللازمة، بدل ترك السكان رهائن للضجيج والروائح والمخاطر المحتملة، أو انتظار تفاقم الوضع حتى يتحول إلى نزاع أكبر.
كما أن مسؤولية جماعة سلا، وخاصة المصالح المختصة والشرطة الإدارية، لا ينبغي أن تنتهي بمجرد إجراء المعاينة. فالمطلوب هو التأكد من الوضعية القانونية للمحلات، ومدى احترامها لشروط مزاولة النشاط، واتخاذ التدابير المناسبة في حال ثبوت وجود مخالفات أو أضرار.
وفي المقابل، تتحمل السلطات المحلية أيضاً مسؤولية مواكبة الملف ومتابعة مخرجات المعاينة، لأن حماية السكينة العامة والصحة والسلامة ليست امتيازاً تمنحه الإدارة للسكان، بل هي جزء من صميم مسؤوليتها في تدبير المجال وحماية المواطنين.
كما أن المطلوب هو عدم التعامل مع الملف بمنطق إرضاء طرف على حساب آخر. فالحرفيون وأصحاب المحلات لهم حقوقهم ومصالحهم التي ينبغي احترامها، لكن هذه الحقوق لا يمكن أن تتحول إلى مبرر لإلحاق الضرر بالسكان، كما أن شكايات السكان يجب أن تخضع بدورها للمعاينة والتحقق وليس للأحكام المسبقة.
إن ما ينتظره سكان شارع الجولان اليوم ليس مجرد لجنة أخرى تلتقط الصور وتحرر محضراً ينتهي به الأمر داخل رفوف الإدارة، وإنما قرار واضح ومسؤول بعد انتهاء المعاينة: إما تأكيد سلامة الوضعية واستمرار النشاط وفق الضوابط القانونية، أو إلزام المعنيين بإزالة أسباب الضرر وتصحيح الاختلالات، أو اتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة إذا ثبتت مخالفات تستوجب ذلك.
فالملك والحي السكني ليسا ورشة مفتوحة بلا ضوابط، والحق في ممارسة النشاط الاقتصادي لا ينفصل عن واجب احترام حقوق الآخرين.
ومن هنا، فإن معاينة 11 غشت ستكون أكثر من مجرد إجراء إداري؛ إنها اختبار حقيقي لمدى جدية الجماعة والسلطات المحلية في تطبيق القانون، وحماية السكان، وضمان التوازن بين الحق في العمل والحق في السكن والعيش في بيئة سليمة.
والساكنة، التي اختارت اللجوء إلى المؤسسات بدل الفوضى، تنتظر الآن أن يكون رد المؤسسات بحجم ثقتها فيها، وأن تتحول الشكاية من ورقة إدارية إلى إجراء ملموس ينهي الضرر إن ثبت، ويحدد المسؤوليات، ويضع حداً لأي استغلال غير منظم للفضاء السكني.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد