الدار البيضاء: المصادقة على نفقات 2027 لا تعني نهاية الحساب بمقاطعة الحي المحمدي بل بدايته

هبة زووم – الدار البيضاء
صادق مجلس مقاطعة الحي المحمدي، خلال دورته العادية لشهر شتنبر 2026، بالإجماع على مشروع حساب النفقات من المبالغ المرصودة للمقاطعة برسم السنة المالية 2027، في جلسة عرفت نقاشا بين أعضاء المجلس حول النقطة الوحيدة المدرجة في جدول الأعمال.
وقد يبدو التصويت بالإجماع، في حد ذاته، مؤشرا على وجود توافق داخل المجلس، غير أن السؤال الذي يفرض نفسه، بعيدا عن لغة البلاغات الرسمية، هو: هل تكفي المصادقة على ميزانية جديدة للقول إن تدبير المقاطعة يسير في الاتجاه الصحيح؟ الجواب بطبيعة الحال لا.
فالميزانية، مهما كانت أرقامها، ليست إنجازا في حد ذاتها، والمصادقة على حساب النفقات لا ينبغي أن تتحول إلى مناسبة للاحتفال السياسي، وإنما إلى بداية لمسؤولية أكثر صعوبة: كيف ستُصرف هذه الاعتمادات؟ وما الذي سيحصل عليه المواطن في المقابل؟
فساكنة الحي المحمدي لا تعيش داخل جداول مالية ولا في محاضر الدورات، وإنما تعيش داخل أحياء ومرافق وفضاءات عمومية، وتتعامل يوميا مع مستوى الخدمات المقدمة إليها. ولذلك فإن معيار تقييم المجلس لا ينبغي أن يكون عدد الدورات المنعقدة ولا عدد المقررات المصادق عليها، وإنما حجم الأثر الذي تتركه هذه القرارات على الحياة اليومية للسكان.
ومن هنا، فإن المصادقة بالإجماع على نفقات سنة 2027 تفتح، في الواقع، بابا أوسع للمساءلة حول حصيلة السنوات السابقة.
ما هي المشاريع التي تم إنجازها فعليا؟ ما حجم الاعتمادات التي تم استهلاكها؟ وما نسبة تنفيذ الميزانيات السابقة؟ وهل حققت البرامج المبرمجة أهدافها؟ وهل جرى احترام الآجال وجودة الأشغال؟ وما هي الأولويات التي تم اعتمادها في توزيع النفقات؟
هذه الأسئلة لا تستهدف التشكيك في عمل المجلس، وإنما تعكس جوهر الحكامة المحلية التي تجعل من المال العمومي أمانة لا مجرد أرقام في وثائق إدارية.
واللافت في البلاغ المتعلق بالدورة هو التركيز على أن المجلس ناقش المشروع قبل أن يصادق عليه بالإجماع، دون تقديم تفاصيل للرأي العام حول طبيعة النفقات المبرمجة ومجالات توجيهها وحجم الاعتمادات المخصصة لكل قطاع أو برنامج، وهنا تحديدا تكمن الحاجة إلى مزيد من الشفافية.
فالمواطن من حقه أن يعرف ليس فقط أن المجلس صوّت بالإجماع، وإنما على ماذا صوّت؟ وكم تبلغ الاعتمادات؟ وأين ستوجه؟ وما هي المشاريع التي ستستفيد منها؟ ومتى ستخرج إلى حيز التنفيذ؟ أما الاختباء وراء عبارة «الإجماع»، فلا ينبغي أن يكون بديلا عن النقاش الحقيقي حول الأولويات والنتائج.
فالميزانية التي لا تتحول إلى خدمات ملموسة تظل مجرد وثيقة مالية، والمشروع الذي يتأخر أو ينفذ بجودة ضعيفة يفقد كثيرا من قيمته مهما كانت الاعتمادات المرصودة له.
كما أن المسؤولية لا تنتهي بمجرد المصادقة، بل تبدأ فعليا بعد التصويت، حين يصبح المجلس مطالبا بالتتبع والمراقبة والتقييم، والتأكد من أن كل درهم عمومي يتم صرفه في مكانه وللغاية التي رُصد من أجلها.
وفي هذا السياق، فإن الأطر الإدارية والتقنية للمقاطعة وباقي المتدخلين يتحملون بدورهم مسؤوليات في حدود اختصاصاتهم، بينما يبقى المنتخبون أمام مسؤولية سياسية في تتبع التنفيذ والدفاع عن أولويات السكان.
وإذا كانت الدورة قد شهدت نقاشا مستفيضا بين أعضاء المجلس، فإن الرأي العام المحلي من حقه أن يعرف مضمون هذا النقاش، وأبرز الملاحظات التي طرحت، وما هي المقترحات التي قدمها الأعضاء، وما الذي تم أخذه بعين الاعتبار قبل الوصول إلى التصويت بالإجماع.
فالشفافية لا تعني فقط نشر قرار المصادقة، وإنما تمكين المواطن من فهم القرار نفسه، وبينما يستعد المجلس لتنفيذ ميزانية 2027، سيكون من المفيد أن يتحول الخطاب من لغة المصادقة إلى لغة المؤشرات: نسبة الإنجاز، آجال التنفيذ، جودة المشاريع، حجم الاستفادة، ومردودية الإنفاق.
لأن المواطن لم يعد يريد أن يسمع فقط أن المجلس صادق، وإنما يريد أن يرى ماذا أنتجت هذه المصادقة، ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي الذي تطرحه دورة شتنبر ليس: هل تمت المصادقة على حساب نفقات 2027؟ فقد تمت وبالإجماع، والسؤال الأهم هو: هل ستتحول نفقات 2027 إلى نتائج ملموسة في أحياء الحي المحمدي ومرافقه وفضاءاته؟
فالمصادقة بالإجماع قد تمنح المجلس راحة سياسية مؤقتة، لكنها لا تمنحه صك براءة من المحاسبة، لكن الحساب الحقيقي يبدأ عندما يبدأ صرف المال العام، والحكم النهائي على الميزانية لا تصنعه محاضر الدورات، وإنما تصنعه حصيلة ما سيجده المواطن على أرض الواقع.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد