هبة زووم – الرشيدية
تُعدُّ مدينة الرشيدية نموذجًا حيًا لتحولات التعمير بالمغرب منذ أكثر من قرن، إذ انطلق أول تنظيم عمراني “تقني” للمدينة في 1916، عهد الاحتلال الفرنسي، حين أقام المستعمر “الفيلاج” الجديد على أنقاض “قصر السوق” (سوق جماعتي مدغرة والخنك)، وقام بتهيئتها على مقاسه.
ورغم هذا الأساس الاستعماري، خضعت الرشيدية بعد الاستقلال لأول قانون للجماعات المحلية (1963)، الذي مكّن أول مجلس بلدي تحت قيادة الحاج لحسن طاسين من استكمال ورش التهيئة الملكي إثر فيضان 1965.
وفي هذا السياق، عمل أول رئيس لهذا المجلس في تاريخ هذه المدينة، لحسن طاسين وأول برلماني بهذا الإقليم، عمل على تنزيل التعليمات الملكية السامية للمرحوم الحسن الثاني والذي صادف فيضان 1965، حيث أمر جلالته بتحويل مجموعة من القصور من جماعة الخنك وإلحاقها بالرشيدية المدينة وبجماعة مدغرة.
كما عمل على تعويض المتضررين من هذه الفيضانات وخاصة سكان حي الواد الأحمر بتجزئة جديدة والمسماة حي بوتلامين بشكل هندسي منظم، كما عمل هذا الرئيس بإحداث تجزئة جديدة لتوسيع المجال الحضري للمدينة بالحي التاريخي المسمى حي الحدب أو حي أوكنان والمعروف رسميا بحي المسيرة.
إلا أن الأحداث التي وقعت بقصر تاركة القديمة معقل الجماعة السلالية المسماة “أيت زدك تاركة” بانهيار مجموعة من المنازل بهذا القصر الذي يعود تاريخه إلى القرن الـ16 ميلادي، وضع الرئيس الحاج المخلوف ابراهيم في إشكالية إحداث سكن جديد لهذه الساكنة، وهو الحي المسمى تاركة الجديدة، والذي وضع فوق المجال الفلاحي لمزرعة تاركة، وهي أملاك فلاحية خاصة وضعت للمزايدة والعرض والطلب بمزارع مختلفة الأحجام، مما أدى إلى العشوائية في البناء بمسالك وطرق غير منظمة أدت إلى وضعه الحالي.
أما حي واد الذهب الذي شيد فوق أراضي الجموع وباقي الأحياء المجاورة له، فقد تمكن هذا الرئيس من وضع تصميم مقبول في العموم، إلا أن الإشكال لازال قائما بهذه الأحياء، وخاصة في تسوية هذا العقار، حيث عمل هذا الرئيس على اقتناء 140 هكتار، ليبقى الوضع على ما هو عليه إلى يومنا هذا.
أما الـ140 هكتار المقتناة فقد تم تصريفها من طرف الرؤساء المتعاقبين لحل مجموعة من المشاكل العقارية بالمدينة، ليبقى الوعاء لهذه المدينة معضلة أمام نموها وتقدمها، لأن أكثر من 80 في المائة من عقارها تابع للأراضي السلالية لجماعتي مدغرة والخنك، إشكال واجهه الرؤساء المتعاقبين بشعار “كم من حاجة قضيناها بتركها”، وذلك بعدم تسوية أي هكتار من الـ140 هكتار المقتناة باقتناءه من مديرية الشؤون القروية لتثمينه، كون المبلغ المطلوب هو أزيد من 5 مليارات من السنتيمات، حسب ما أكده كل من الرئيسين سيدي عمي مولاي الزهيد وعبد الله الهناوي، وكذلك عضو المعارضة السابق طاسين ابراهيم، والذي أكد أن الحل الوحيد لهذه المعضلة هو اتفاق بين جماعة الرشيدية ومديرية الشؤون القروية بتقسيط هذا المبلغ لتتمكن جماعة الرشيدية من بيع العقار المذكور لأزيد من 35 تجزئة سكنية محدثة على أرض الواقع، وأكثر من 25 تجزئة لا تزال على الورق.
وأضاف المستشار السابق ابراهيم طاسين، في حديثه للجريدة، على أن هذه العملية ستضيف إلى صندوق هذه الجماعة أزيد من 65 مليار سنتيم، كما أثبتت العمليات الحسابية البسيطة، يمكن من خلالها تطعيم صندوق جماعة الرشيدية، والذي لم يتجاوز فائضه في عهد المخلوف 350 مليون سنتيم، وفي عهد الرئيس سيدي عمي مولاي الزهيد 700 مليون سنتيم وفي عهد الرئيس عبد الله الهناوي ما يقارب المليار سنتيم، دعم في الزيارات الملكية الثلاث بأزيد من 53 مليار ضخها جلالته في صندوق هذا المجلس لتهيئة المدينة، وخاصة شارع مولاي علي الشريف الشريان الرئيسي للمدينة، والذي خصصت له ما يقارب 14 مليار سنتيم، في أول عهدة للرئيس عبد الله الهناوي لمشروع صودق عليه في عهد الرئيس سيدي عمي مولاي الزهيد.
أما في عهد الرئيس سعيد كريمي فقد عمل الوالي السابق “بوشعاب يحضيه” على مساعدة هذا المجلس بضخ ما يناهز 14 مليار، بشاركة مع مجلس جهة درعة تافيلالت ومجموعة من المصالح الخارجية، رصدت مبالغ مهمة منها لتهيئة شارع مولاي علي الشريف الذي تمت تهيئته قبل عشر سنوات، خصوصا بعد أن أصبحت الرشيدية عاصمة للجهة.
والحقيقة تقول أن كل ما أنجز إلى حدود الساعة لم تحض هذه المدينة بسياسة عمرانية واضحة المعالم والقسمات، قادرة على جلب السائح واستقطاب المستثمر لمعضلتين، أولاها وعاءها العقاري الذي لا يزال تحت رحمة الأراضي السلالية، وثانيها تصميم تهيئتها، حيث أن الأول يتطلب إرادة سياسية وإدارية، وخاصة من طرف الوالي الجديد سعيد زنيبر، باعتبار أن هذا الميدان هو من اختصاصه ككاتب عام سابق لوزارة الإسكان وسياسة المدينة وما راكمه من خبرة في هذا المجال كوال لجهة من حجم جهة فاس مكناس.
وفيما يخص المعضلة الثانية المتعلقة بتصميم التهيئة الذي عرفته هذه المدينة لأول مرة في الولاية الأولى للرئيس عبد الله الهناوي، وكأول تجربة لايد لها من هفوات شابتها تصفيات حسابات سياسية، وخاصة المعارضين، وحيث أن المادة 28 من القانون 12/90 المتعلقة بالتعمير والخاص بتصميم التهيئة، والذي يلزم بإعادة هذا التصميم كل عشر سنوات طبقا للقانون، دون تفعيله إلى حدود الساعة، حيث تجاوز هذا التصميم ما يقارب 12 سنة، وهذا خرق واضح لقانون التعمير، يريد الوالي الحالي تعجيل خورجه إلى حيز الوجود بعد إعادة تنظيم تصميم جديد لهذه المدينة يليق بعاصمة الجهة بشكل منظم لمجالها الاجتماعي والاقتصادي والسياحي والتعليمي.
اليوم، ومع تعاقب ولاة ورؤساء جماعات، يبقى تحديث تصميم التهيئة العمرانية للرشيدية ركيزةً قانونيةً ومطلبًا استراتيجياً لاستعادة تنمية المدينة بشكل متوازن، يحفظ ماضيها ويؤطر حاضرها ويصون مستقبلها، ويعمل على إخراجها من غرفة الإنعاش.
تعليقات الزوار