هبة زووم – محمد خطاري
أثار تصريح أمين التهراوي، وزير الصحة، بشأن عدم وجود شرط شيكات الضمان في المصحات الخاصة بالمغرب، موجة من السخط العارم في صفوف الرأي العام، الذي رأى في هذا الكلام انفصالاً تاماً عن الواقع و”استهزاءً بعقول المغاربة”، حسب ما تداوله ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي.
ففي وقت تؤكد فيه الوزارة رسمياً أن طلب شيك ضمان قبل العلاج غير قانوني، يعلم الجميع، بمن فيهم مسؤولو القطاع، أن هذا الإجراء أصبح عرفاً مستقراً في أغلب المصحات من طنجة إلى الكويرة. بل وتطورت الممارسة إلى حدود مخيفة وخطيرة، حيث تُفرض شيكات باسم أطراف ثالثة، بذريعة احتمالية وفاة المريض وصعوبة تحصيل المستحقات لاحقاً.
عينة من الواقع: مجموعة “أكديطال” تحت المجهر
الحالة الواقعية التي عرفتها إحدى المصحات الخاصة التابعة لمجموعة “أكديطال” بمدينة سلا تلقي الضوء على مدى توحش هذا السلوك التجاري داخل قطاع يفترض أن يكون إنسانيًا بامتياز. فالمواطن الذي تقدم بشيك ضمان باسمه، رُفض استقباله، بدعوى أن الشيك يجب أن يكون باسم شخص آخر غير المريض، تحسبًا لأي طارئ يعيق استرجاع المصحة لمستحقاتها المالية.
المفارقة أن هذه الممارسات تتم بأنظار السلطات وداخل منظومة تدّعي احترام القانون. ما يطرح علامات استفهام حول من يحمي هذه المصحات؟ وأين هي أجهزة المراقبة، ومدى قدرة وزارة الصحة على فرض احترام القانون بدل إنكاره؟
منطق بيروقراطي في واقع اجتماعي مأزوم
تصريح الوزير لم يأتِ في فراغ، بل في سياق عام يطبع العلاقة المتوترة بين المواطن والمرفق الصحي، خاصة في القطاع الخاص، الذي يُنظر إليه كمجال مفتوح للربح لا كخدمة اجتماعية. والأسوأ أن الخطاب الرسمي يبدو في وادٍ، بينما المعاناة اليومية للمواطنين في وادٍ آخر.
فعوض اتخاذ موقف حازم تجاه هذه الظاهرة، اختار الوزير الإنكار الكامل، وهو ما دفع كثيرين إلى مطالبته بـ”النزول إلى الميدان”، وزيارة مصحة واحدة بشكل عشوائي، دون تنسيق مسبق أو موكب رسمي، ليسمع من المرضى مباشرة عن ثمن الدخول إلى المصحة: شيك أو لا دخول.
أسئلة محرجة وامتحان حقيقي للوزارة
أمام هذا الإنكار، تبرز أسئلة صادمة: كم من شهادة حية نحتاج لنقنع الوزير بالحقيقة؟ وهل تتطلب حماية حقوق المرضى صدفة مأساوية أم يكفي الاعتراف الجريء بالخلل؟
المواطنون لا يطالبون بالكثير، فقط بتطبيق القانون، وبتدخل حازم من الوزارة الوصية، يوقف هذا الابتزاز المُمأسس الذي يطال المرضى في لحظة ضعف وألم.
إننا أمام امتحان أخلاقي وقانوني لوزارة الصحة: فإما أن تقرّ بوجود الظاهرة وتتحمل مسؤوليتها في وقفها، عبر إجراءات زجرية واضحة ضد المصحات المخالفة، أو تستمر في تجميل الصورة عبر التصريحات الجوفاء التي لا تُقنع أحدًا.. فالحق في العلاج ليس سلعة، وكرامة المريض لا تُرهن بشيك.
تعليقات الزوار