مطرح صدينة.. جرح بيئي مفتوح يختنق تحت صمت سلطات تطوان

هبة زووم – حسن لعشير
تحولت جماعة صدينة بإقليم تطوان إلى بؤرة لمعاناة بيئية متفاقمة، بفعل الوضع الكارثي الذي يعيشه المطرح العمومي للنفايات المنزلية المتواجد على ترابها.
فبين الروائح الكريهة والعصارة السامة وتسرباتها نحو الأراضي المجاورة، يعيش السكان في محيط خانق، أقرب إلى “محرقة بيئية” تهدد صحتهم وحقهم في هواء وماء نقيين.
منذ سنوات، يشتكي سكان دواوير بونزال، صدينة، السوق القديم، الهرا، وأمجموعة من القرى المجاورة من روائح خانقة تنبعث ليلاً ونهارًا من المطرح، حيث تُرمى أطنان من النفايات دون أي معالجة علمية، فيما تُصب عصارة الأزبال السوداء مباشرة في الوادي القريب، ما تسبب في تلوث خطير للفرشة المائية وتدهور واضح للنظام البيئي المحلي.
ورغم أن دفتر التحملات ينص صراحة على ضرورة تهيئة المطرح وفق المعايير الدولية وتوفير تقنيات لمعالجة النفايات الصلبة والسائلة، إلا أن الواقع يُظهر تراخياً فاضحاً في المراقبة والمحاسبة.
فشاحنات مجهولة الهوية وغير مرخّصة تنشط يومياً في نقل النفايات المنزلية والصناعية على حد سواء، في خرق صريح للقوانين البيئية، دون أن تتحرك السلطات لوقف هذا النزيف، ورغم الوقفات الاحتجاجية المتكررة التي نظمها السكان منذ سنوات، فإن صرخاتهم لم تجد آذاناً صاغية.
العضوة الجماعية نجاة حمرية عن حزب العدالة والتنمية، أثارت الملف داخل دورة المجلس الجماعي لتطوان، محذرة من التداعيات الخطيرة للمطرح على صحة السكان، غير أن تدخلها لم يكن كافياً لتغيير واقع التسيب، بل زاد من حدة الاحتقان بعدما استمرت الروائح الكريهة والعصارة السامة في تحويل الحياة اليومية إلى كابوس دائم، خاصة في فصل الصيف حيث ترتفع درجات الحرارة وتنتشر الغازات السامة.
مشروع وُلد من الخلاف.. ونفّذ رغم المعارضة
تعود قصة المطرح إلى سنة 2015، حين تم فرض نقله من منطقة “اللوحة” بطريق بنقريش إلى “بونزال” بجماعة صدينة.
القرار قوبل آنذاك برفض قوي من المجلس الجماعي برئاسة المرحوم كركيش، الذي حذر من المخاطر البيئية والاجتماعية للمشروع، غير أن تدخلات السلطة المحلية والإقليمية غيّرت مسار التصويت بعد “استقطاب” عدد من الأعضاء، ليتم تمرير المشروع بتصويت تسعة أعضاء فقط، وفي غياب أي دراسة تقنية دقيقة.
آنذاك، تم تقديم صور وتصاميم لِما سُمِّي بـ“معمل تثمين النفايات” ومساحات خضراء محيطة، في مشهد وُصف بأنه خداع بصري لإقناع الأعضاء.
لكن بعد مرور سنوات، تكشفت الحقيقة المرة: لا معامل ولا تثمين، بل مطارح مفتوحة تفيض بعصارة سامة، وروائح لا تُحتمل، ومياه جوفية ملوثة.
الخطر يمتد إلى وادي مرتيل
الأخطر في الوضع هو تسرب العصارة الملوثة إلى الوادي أسفل المنحدر الذي أُقيم عليه المطرح، ما يهدد سلامة المياه الجوفية والمجاري الطبيعية.
ويؤكد السكان أن تلك العصارة شكّلت بركاً سوداء قاتمة اللون تملأ الوادي برائحة خانقة، في الوقت الذي يشكّل فيه هذا المجرى مصدراً رئيسياً لمياه الري وسقي الماشية، قبل أن يصب في وادي الخميس ثم وادي مرتيل، مهدداً بذلك المنظومة البيئية بكاملها.
محاولات القائمين على المطرح لإخفاء الكارثة عبر تجريف التربة أو تغطية البرك الملوثة باءت بالفشل، فيما لا يزال المسؤولون المحليون والمركزيون يلوذون بالصمت.
وفي الوقت الذي تعبّأ فيه المغرب بقيادة جلالة الملك لضمان الأمن المائي ومواجهة الجفاف، تظل جماعة صدينة نموذجاً مؤلماً لهدر الموارد المائية وتلويثها بالإهمال والتقاعس.
صرخة من أجل الإنقاذ
السكان اليوم لا يطالبون بالمستحيل، بل فقط بحقهم في بيئة سليمة، كما يضمنه الدستور المغربي، يطالبون فقط بتدخل عاجل من السلطات الإقليمية والجهات الوصية لوقف هذه الجريمة البيئية، ومحاسبة كل من تسبب في هذا الوضع أو تواطأ بصمته.
فالمشكل لم يعد محلياً، بل بات قضية رأي عام بيئي بامتياز، تستوجب حلاً عاجلاً قبل أن يتحول مطرَح تطوان إلى قنبلة بيئية دائمة الانفجار.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد