هبة زووم – محمد خطاري
في مشهدٍ يعكس عمق الارتباك داخل المنظومة التعليمية، قررت وزارة التربية الوطنية توقيف أستاذ عن العمل، بدعوى “تسجيل فيديو داخل القسم”، بعد أن عبّر من خلاله عن جزء من الأعطاب التي تنخر المدرسة العمومية.
قرار أثار موجة من الجدل، ليس فقط بسبب قسوته، ولكن أيضًا لما يحمله من دلالات على منطق مقلوب يطبع علاقة الوزارة بأطرها، حيث يبدو أن “الجريمة” الحقيقية لم تكن التصوير، بل الجرأة على الكلام.
فالوزارة، التي لم تحرّك ساكنًا أمام عشرات الفيديوهات والصور المنشورة على مواقع التواصل الاجتماعي، بل حتى على صفحات رسمية تابعة لها، اختارت هذه المرة أن تتحرك بسرعة قياسية، وكأنها وجدت في صوت ناقد داخل القسم خطرًا أكبر من اختلالات مالية وتنظيمية متراكمة منذ سنوات.
المفارقة، كما يصفها كثير من المراقبين، أن من ينتقد الأعطاب يُعاقب، ومن يصنعها يُترك في مأمن.
فقد كتبت مئات المقالات حول شبهات فساد وسوء تدبير داخل بعض الأكاديميات والمديريات الجهوية، بل إن بعضها بلغ أروقة محاكم جرائم الأموال، دون أن يصدر عن الوزارة أي بلاغ أو إجراء تأديبي.
في المقابل، يكفي أن يرفع أستاذ صوته ليصف واقع التعليم، حتى يجد نفسه خارج القسم بتبرير إداري يبدو هشًّا أمام حجم ما تشهده المنظومة من أعطاب بنيوية.
ويذهب بعض المتابعين إلى القول إن القرار يحمل رسالة تأديبية غير معلنة لكل من يفكر في نقد واقع المدرسة العمومية، وأن الوزارة اختارت أن تكمّم الأفواه بدل أن تواجه الأسباب الحقيقية لتدهور التعليم، من ضعف البنيات التحتية إلى الخصاص في الموارد البشرية وتدني التحفيز.
إن التناقض الصارخ في تعامل الوزارة مع القضايا يكرّس صورة مؤسسة تخشى النقد أكثر مما تخشى الفساد، وتدافع عن واجهة زائفة اسمها “الهيبة”، بينما تنهار المدرسة العمومية من الداخل بفعل التهميش، والبيروقراطية، وغياب المحاسبة.
توقيف هذا الأستاذ ليس مجرد قرار إداري، بل رسالة سياسية صريحة تقول بوضوح: “اصمت، ولا تتكلم، حتى وإن كانت الحقيقة أمامك واضحة”.
ومع كل صمتٍ تُفرضه الوزارة على العاملين داخلها، تتسع هوة الثقة بين نساء ورجال التعليم وبين الإدارة الوصية، ويتأكد أن أكبر خطر على التعليم اليوم ليس نقص الإمكانيات، بل خوف النظام التعليمي من مواجهة ذاته.
تعليقات الزوار