العرائش.. مدينة تُدار من الظل والعامل بوعاصم العالمين في قلب العاصفة
هبة زووم – إلياس الراشدي
تعيش العرائش واحدة من أسوأ لحظات فقدان الثقة بين المواطن والإدارة، فلم يعد الأمر مجرد غياب مشاريع أو تعثّر بنى تحتية، بل بات يتعلق بشبكة نفوذ متمرسة نجحت في التغلغل داخل مفاصل كل القطاعات، وأصبحت هي اللاعب الحقيقي في توزيع الصفقات، وتوجيه الملفات، وصناعة القرار المحلي بعيدًا عن القانون والشفافية.
في مقدمة هذا المشهد الملتبس، يبرز اسم العامل بوعاصم العالمين، الذي كان يُفترض أن يشكل عنصر توازن وانضباط إداري، لكن الواقع – بشهادة المتتبعين – يقول العكس: حضوره لم يغيّر شيئًا بل كرس منطق الولاءات، وترك المدينة في يدي اللموظفين الرماديين الذين تحولوا إلى قوة موازية تُسيّر الشأن المحلي كما تشاء.
لم يعد هؤلاء مجرد موظفين؛ لقد صاروا “مسامير ميدة” حقيقية، يتحكمون في الصفقات، ويوزعون الامتيازات، ويمارسون الوصاية على المستثمرين، ويعيدون تشكيل الخارطة الإدارية وفق مصالح شبكاتهم، مشاريع تُفصّل على المقاس، وصفقات تمر في صمت، وكفاءات تُقصى لمجرد أنها لا تنتمي إلى دائرة النفوذ.
أخطر ما في الأمر أن الدوائر التقنية والإدارية تحولت إلى إقطاعيات صغيرة يتقاسمها المتحكمون الجدد، بينما بقيت الخدمات الأساسية – الماء، الطرق، التعليم، الصحة – رهينة العبث والفوضى والقرارات المرتجلة، والساكنة تزداد اختناقًا وعجزًا أمام واقع لا يتغير إلا نحو الأسوأ.
أما الأصوات التي حاولت الاحتجاج أو المطالبة بالتحقيق، فمصيرها التجاهل أو الوعود الفارغة، وهكذا تراكم الغضب الصامت، وتحوّل الشعور بالظلم إلى قناعة بأن المدينة تُساق في اتجاه خطر، وبأنها أصبحت أقرب إلى ملكية خاصة لشبكات نافذة لا تُحاسَب ولا تخضع لرقابة فعلية.
ومع ما يقع، يظل السؤال الأكبر معلقًا: أين العامل بوعاصم من كل هذا؟ هل هو غائب؟ أم صامت؟ أم عاجز؟ أم.. شريكٌ في استمرار الوضع؟
الساكنة، ومعها الرأي العام المحلي، لم تعد ترى فيه رجل سلطة قادرًا على إعادة التوازن أو فرض الانضباط، بل جزءًا من الأزمة وربما أحد صانعيها.
العرائش اليوم لا تحتاج إلى ترقيع أو وعود جديدة؛ تحتاج إلى زلزال إداري حقيقي يعيد تعريف السلطة، ويَجُبّ النفوذ الرمادي، ويُعيد للمدينة ما ضاع منها من هيبة وانضباط وحق في التنمية.
لقد دقت ساعة الحقيقة والعرائش لم تعد تحتمل مزيدًا من العبث، أما العامل بوعاصم العالمين، فقد ثبت أنه لم يكن الحل، بل صار هو المشكل نفسه في معركة استعادة ما تبقى من هيبة الإدارة وثقة المواطن.