صفرو بين مطرقة الفشل وسندان النفوذ: هل يُدار الإقليم بمنطق المزاد؟

هبة زووم – صفرو
تعيش عمالة إقليم صفرو على إيقاع جدل متصاعد حول أداء عامل الإقليم أبو زيد، في ظل اتهامات متكررة بسوء التدبير وغياب النجاعة، وهي اتهامات لا تنفصل عن مسار إداري مثقل بالإخفاقات في أقاليم سبق أن تقلد فيها المسؤول ذاته مهام السلطة، من بينها سيدي قاسم وسطات.
فالتاريخ، خلافًا لما يعتقده البعض، ليس دفترًا أبيض يمكن تمزيق صفحاته كلما تغيّرت المواقع أو تبدلت الأدوار، إنه ذاكرة جماعية عنيدة، تحتفظ بما قيل في الكواليس كما توثّق ما كُتب في الصفحات الأولى، تاريخ لا ينسى الشطحات ولا يغفر الانحناءات المفاجئة، ولا يتغافل عن القفزات الانتهازية ومحاولات التبرير المتأخرة.
ولعل ما يزيد المشهد تعقيدًا هو أن الفشل، حين يتكرر، لا يعود مجرد تعثر عابر، بل يتحول إلى نمط تدبير، نمط يُفرغ الإدارة الترابية من دورها التنموي، ويجعل الإقليم أقرب إلى مجال مفتوح للمقايضة والترضيات، حيث يُدار الشأن العام أحيانًا بمنطق “المصلحة الخاصة” أو “من يملك النفوذ”، بدل منطق المصلحة العامة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وخلال عقود طويلة، لم يكن وصف وزارة الداخلية بـ”أم الوزارات” توصيفًا اعتباطيًا، بل انعكاسًا لثقل سياسي وأمني وإداري بلغ ذروته خلال مرحلة إدريس البصري، حين تحولت الوزارة إلى مركز جذب قوي تدور في فلكه مختلف القطاعات والفاعلين.
في تلك المرحلة، نشأ جيل كامل من الإعلاميين والسياسيين والنقابيين، ارتبطوا بشكل مباشر أو غير مباشر بذلك النفوذ، فاختاروا الطاعة أو الموالاة، أو على الأقل البقاء داخل دائرة الرضا.
غير أن الزمن، كما يعلّمنا، لا يختبر الرجال بسقوطهم، بل بسقوط نفوذهم، حينها فقط تنكشف الحقائق، وتتضح المسافات بين من كانت علاقته بالمبادئ ثابتة، ومن لم تكن علاقته سوى بالمصالح العابرة، بين من حافظ على موقفه مهما تغيّر الضوء، ومن غيّر جلده كلما تغيّر اتجاه الريح.
إن ما تعيشه صفرو اليوم لا يمكن فصله عن هذا السياق العام، حيث يُعاد إنتاج نفس الأساليب القديمة في ثوب جديد، وكأن الإقليم محكوم عليه أن يكون حقل تجارب لمسؤولين لم يستوعبوا دروس الماضي، فالتنمية لا تُدار بالولاءات، والاستثمار لا يُشجَّع بالغموض، وثقة المواطنين لا تُبنى بالخطاب المزدوج.
إن تجربة إدريس البصري ومن دار في فلكه تظل واحدة من أبرز الشواهد على قانون سياسي غير مكتوب: النفوذ يرحل، أما التاريخ فلا يساوم ولا ينسى، وهو درس يبدو أن بعض المسؤولين، إلى اليوم، لم يستوعبوه بعد.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد