هبة زووم – أبو العلا العطاوي
في تدوينة نشرتها على صفحات التواصل الاجتماعي، ردت رئيسة جماعة تيزي نسلي بإقليم بني ملال على الانتقادات التي تطال عمل الجماعة، مُستبقةً بذلك أي توظيف انتخابي محتمل على أبواب الاستحقاقات التشريعية.
ورغم أن الرد حمل نبرة “صريحة” و”واقعية” كما وصفته صاحبته، إلا أنه يطرح أسئلة جوهرية تتجاوز الدفاع عن المسار إلى مساءلة النتائج: هل يكفي الاعتراف بالمشكل لحلّه؟ وهل تُبرر “الصراحة” غياب الإنجازات الملموسة؟
“لا نبيع الوهم”.. لكن ماذا قدمتم فعلياً؟
تبدأ الرئيسة ردها بالاعتراف الصريح: “تيزي نسلي ليست قرية مثالية. دواويرها تعاني من خصاص في البنيات التحتية، من إكراهات الطريق، من تحديات الماء، من آثار الهشاشة المرتبطة بطبيعة المجال الجبلي”، هذا الاعتراف، رغم قيمته الأخلاقية، يطرح سؤالاً وجودياً: وماذا بعد الاعتراف؟
فالاعتراف بالمشكل ليس إنجازاً في حد ذاته، بل هو الحد الأدنى المطلوب من أي مسؤول منتخب. المواطن في دواوير تيزي نسلي لا يحتاج إلى من يُخبِره بأن الطريق مقطوعة أو أن الماء نادر؛ فهو يعيش هذا الواقع يومياً، وما يحتاجه هو خطة واضحة، آجال ملزمة، ونتائج ملموسة تُترجم الخطاب إلى واقع.
فحين تُختزل أربع سنوات من الولاية في “الصراحة” و”عدم بيع الوهم”، فإننا لا نتحدث عن “تدبير ناجح”، بل عن تدبير ينتظر الإنجاز بينما المواطن ينتظر الحق.
“لماذا الآن؟”.. سؤال يُخفي سؤالاً آخر
تتساءل الرئيسة: “لماذا الآن؟ لماذا تيزي نسلي بالذات؟ أين كانت هذه المنابر حين لم يكن اسمها يُتداول؟”، هذا التساؤل مشروع من حيث المبدأ، لكنه يُخفي وراءه سؤالاً أكثر إحراجاً: وأين كانت الجماعة خلال أربع سنوات من الولاية؟
فإذا كانت الانتقادات تأتي “فجأة” على أبواب الانتخابات، فهذا لا يُسقط بالضرورة صحتها، بل على العكس، قد يكون “الصمت السابق” دليلاً على غياب الرقابة المجتمعية أو تجاهل الإعلام المحلي لأوضاع الجماعات القروية النائية.
والسؤال الأعمق: لماذا لا تُحاسب الجماعات باستمرار، وليس فقط على أبواب الاستحقاقات؟ أليس من واجب المنتخبين تقديم حصيلة دورية لساكنتهم، بدلاً من انتظار “هجمة إعلامية” للرد؟
التباين المجالي: واقع.. أم ذريعة؟
تستحضر الرئيسة خطاب جلالة الملك حول “التفاوتات المجالية” و”مغرب يسير بسرعتين”، مؤكدة أن تيزي نسلي “جزء من هذا النقاش الوطني”، هذا الاستحضار في محله، ويؤكد وعي الرئيسة بالإشكال الهيكلي الذي تعانيه الجماعات الجبلية، لكن السؤال المحرج: هل يكفي الاستشهاد بالتباين المجالي لتبرير غياب النتائج؟
فإذا كانت كل جماعة جبلية تُعلل تأخرها بـ”طبيعة المجال” و”الهشاشة البنيوية”، فمتى تتحقق العدالة المجالية فعلياً؟ أليس من واجب المنتخبين المحليين الضغط على الجهات الوصية، وابتكار حلول محلية، وإشراك الساكنة في البحث عن مخارج، بدلاً من الاكتفاء بوصف الواقع؟
“العمل التشاركي”.. بين الشعار والممارسة
تؤكد الرئيسة أن “العمل المحلي مسؤولية تشاركية، تُبنى بالصبر والتراكم والتنسيق مع مختلف المتدخلين، وليس بالشعارات الموسمية”.
هذه الكلمات صحيحة نظرياً، لكنها تطرح إشكالية التطبيق: من هم “المختلفون”؟ هل تم إشراك المجتمع المدني، الجمعيات المحلية، والمواطنين في تحديد الأولويات؟ أين “التراكم”؟ ما هي المشاريع المنجزة التي يمكن اعتبارها “حجارة أساس” لمسار تنموي؟ وكيف نُقيس “الصبر”؟ إلى متى ينتظر المواطن حقاً أساسياً كالماء أو الطريق؟
فإذا كان “العمل التشاركي” مجرد شعار يُردد في البيانات، دون آليات فعلية للإشراك والمحاسبة، فإنه يتحول من “منهجية تدبير” إلى غطاء للتقصير.
الانتخابات تقترب.. والوعود تعود
لا يُخفي الرد نبرة استباقية للانتخابات التشريعية القادمة، حيث ترفض الرئيسة “توظيف معاناة الساكنة للمزايدة السياسية”، وتؤكد أن “تيزي نسلي لن تكون ورقة انتخابية في يد أحد”، هذا الموقف نبيل، لكنه يطرح تساؤلاً: ألا يُعتبر الرد نفسه توظيفاً انتخابياً للدفاع عن المسار؟
فالحديث عن “الصراحة” و”عدم بيع الوهم” و”العمل المتراكم” على أبواب الانتخابات قد يُقرأ كحملة دعائية مسبقة تهدف إلى تحسين الصورة قبل موعد الاقتراع.
وهذا لا يُنتقص من حق الرئيسة في الدفاع عن مسارها، لكنه يُذكّر بأن الانتخابات ليست فقط موعداً للمحاسبة، بل أيضاً للوعود.
الصراحة خطوة أولى.. لكن الإنجاز هو المقياس
في النهاية، لا يُنكر أحد حق رئيسة جماعة تيزي نسلي في الرد على الانتقادات، ولا قيمة “الصراحة” كمنهج في التواصل مع المواطنين. لكن الصراحة وحدها لا تكفي لبناء تنمية حقيقية.
فإذا كانت الرئيسة جادة في “الدفاع عن حق هذه المناطق في التنمية، في الماء، في الطريق، في المدرسة، في الصحة”، فلا بد من خطوات ملموسة: إعلان خارطة طريق واضحة للمشاريع العالقة، بآجال ومسؤولين محددين، وإشراك فعلي للساكنة في تتبع المشاريع وتقييم الأولويات، وتقديم حصيلة دورية شفافة تُظهر ما تم إنجازه، وما تعثر، ولماذا، والضغط المؤسسي على الجهات الوصية لتسريع تمويل المشاريع الهيكلية، واستباق الانتخابات بحصيلة واقعية، بدلاً من انتظار الانتقادات للرد عليها.
المواطن في تيزي نسلي لا يحتاج إلى من يُخبِره بأن الكأس نصف فارغ، بل يحتاج إلى من يملأه، فإما نتائج تُترجم “الصراحة” إلى تنمية ملموسة، وإما استمرار في خطاب يُبرر الغياب بالواقع، والخيار، كما كان دائماً، بين يدي من يملك الإرادة لتحويل الكلمات إلى أفعال.
تعليقات الزوار