الرشيدية: عندما تتحول دار الطالب من فضاء للحماية إلى “مزرعة انتخابية” لرئيس يجمع بين منصبيْن

هبة زووم – محمد خطاري
تتوالى الفضائح داخل دار الطالب بالرشيدية، لتكشف عن اختلالات تدبيرية خطيرة في عهد رئيسها سيدي عمي مولاي الزهيد، حيث تحولت هذه المؤسسة الاجتماعية، التي كان يفترض أن تكون فضاءً لحماية الفئات الهشة ودعم التمدرس، إلى ما يشبه “الضيعة الخاصة” للرئيس وحوارييه، تُدار بمنطق المحسوبية وتُستغل لتحقيق مصالح ضيقة، في ظل صمت غير مفهوم من الجهات الرقابية المختصة.
لم تكن فضيحة عدم أداء اشتراكات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (CNSS) للعاملين بدار الطالب، والتي حرمتهم من التغطية الصحية لسنوات، سوى غيض من فيض الاختلالات التي تعيش على وقعها المؤسسة.
فبحسب معطيات جديدة كشفتها “هبة زووم”، تتكشف أمور أكثر خطورة تستدعي تدخلاً عاجلاً من الجهات المختصة لوقف “النزيف” الذي يُهدد مستقبل هذه المؤسسة الاجتماعية.
فبعد أن عُرف عن الرئيس سيدي عمي مولاي الزهيد عدم اكتراثه بحقوق الموظفين، ها هو اليوم يُتهم بـ”وضع يده” على المؤسسة بأكملها، ورسم “خط ثابت” لضمان بقائه رئيساً “أبدياً” لدار الطالب، عبر آليات انتخابية مشبوهة تُحوّل الاستحقاقات الدورية كل 6 سنوات إلى مجرد “مسرحية” تُعيد إنتاج نفس الشخص في نفس المنصب.
يكشف التحقيق في طريقة تدبير دار الطالب بالرشيدية عن ممارسة خطيرة تتعلق بـ”التلاعب بالإرادة الانتخابية” داخل المؤسسة، فبحسب مصادر مطلعة، يعتمد الرئيس سيدي عمي على “ورقة الانخراطات”، حيث لا يُسمح بالانضمام لعضوية المؤسسة إلا لـ”الراسخين في علم كتابته”، أي أولئك الذين يضمن ولاءهم ويضمن أصواتهم في الانتخابات الداخلية.
وهكذا، تُصبح الانتخابات مجرد “شكلية” تُضفي شرعية زائفة على استمرار الرئيس في منصبه، بينما تُستبعد كل الأصوات المستقلة أو الناقدة عبر آليات إقصاء ممنهجة.
والسؤال المحرج: أين هي وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والمؤسسات الرقابية عن هذه الممارسات التي تُفرغ العمل الجمعوي من مضمونه الديمقراطي؟
لا تتوقف الاختلالات عند حدود “التدبير الداخلي” للمؤسسة، بل تمتد إلى مستوى “تضارب المصالح” الذي يصفه المختصون بـ”الفج وغير المفهوم”، فسيدي عمي مولاي الزهيد يجمع بين منصب رئيس دار الطالب وعضوية المجلس البلدي للرشيدية، في وضع يثير تساؤلات مشروعة حول استقلالية قراراته وحياده في تدبير الملفات.
وقد وصل هذا التضارب إلى نقطة حرجة، عندما أقدم رئيس المجلس البلدي على وقف تحويل “الضريبة على الذبح” إلى مالية دار الطالب، في خطوة تُفسر كرد فعل على إصرار سيدي عمي على الجمع بين المنصبين، وإصراره على “الإضرار بفئات هشة” تستفيد من المؤسسة، وهو ما يطرح سؤالاً وجودياً: كيف يمكن لرئيس مؤسسة اجتماعية أن يكون في نفس الوقت صانع قرار في المجلس الذي يمولها؟ وأي ضمانات لحيادته واستقلاليته؟
أمام هذه الخروقات المتتالية، يبرز سؤال محرج حول موقف الجهات الرقابية المختصة، وعلى رأسها وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي، ومؤسسة والي جهة درعة-تافيلالت، فبينما تتوالى الفضائح داخل دار الطالب بالرشيدية، يبقى الصمت هو السائد، في غياب أي تحرك رسمي لوضع حد لـ”بهلوانية” رئيس المؤسسة الذي أصبح، حسب تعبير المتتبعين، “يضع نفسه فوق كل القوانين”.
إن استمرار هذا الوضع دون محاسبة يُرسل رسالة خطيرة مفادها أن “الإفلات من العقاب” أصبح قاعدة، وأن المؤسسات الاجتماعية يمكن أن تتحول إلى “مزارع انتخابية” يُتصرف فيها بحرية، بعيداً عن أي رقابة أو مساءلة.
لم يعد اليوم مقبولاً أن تُترك دار الطالب بالرشيدية رهينة لممارسات تُهدد مستقبلها ومصداقيتها، فما تحتاجه المؤسسة اليوم هو فتح تحقيق إداري ومالي عاجل في تدبير دار الطالب بالرشيدية، بمشاركة هيئات رقابية مستقلة، للكشف عن كل الخروقات وتحديد المسؤوليات، وقف فوري عن ممارسة أي منصب يجمع بين رئاسة المؤسسة وعضوية المجلس البلدي، لحين الفصل في إشكالية تضارب المصالح، مراجعة شاملة لآليات الانتخاب والانخراط داخل المؤسسة، لضمان شفافية الاستحقاقات الداخلية وديمقراطيتها، استرداد المبالغ المتأخرة لفائدة صندوق الضمان الاجتماعي، مع تعويض الموظفين المتضررين عن الأضرار المادية والمعنوية التي لحقت بهم، مع تعزيز الرقابة على المؤسسات الاجتماعية المشابهة، لمنع تكرار مثل هذه الممارسات في أماكن أخرى.
ما يحدث داخل دار الطالب بالرشيدية ليس “شأناً داخلياً” لمؤسسة جمعوية، بل هو اختبار لمصداقية الرقابة على المؤسسات الاجتماعية وقدرة الدولة على حماية الفئات الهشة من استغلال من يُفترض أنهم “حماة” مصالحهم.
فإما أن تتحرك الجهات المختصة بجدية لوضع حد لـ”بهلوانية” سيدي عمي مولاي الزهيد، وإنقاذ دار الطالب من “النزيف” الذي يُهددها، وإما أن تتحمل المسؤولية التاريخية عن أي تدهور مستقبلي قد يُفقد المؤسسة دورها الاجتماعي ويهدر ثقة المواطنين.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد