الحسيمة: حين تذهب الإدارة في عطلة ويبقى المواطن في الانتظار

أنس اشهبار – الحسيمة
في الوقت الذي يُفترض فيه أن تسير المرافق العمومية بإيقاع منتظم، بغضّ النظر عن العطل الإدارية أو الغيابات المؤقتة، يجد إقليم الحسيمة نفسه، مرة أخرى، في قلب نقاش متجدد حول استمرارية المرفق العمومي وحدود الجاهزية الإدارية في الاستجابة لانشغالات المواطنين.
فغياب عامل الإقليم في عطلة إدارية، وهو حق قانوني لا نقاش فيه، لم يكن في حد ذاته سبب الجدل، بقدر ما فجّر تساؤلات أعمق حول من يتولى فعلياً تدبير شؤون الإقليم في مثل هذه الفترات، وكيف تُضمن السيرورة العادية للإدارة الترابية، خصوصاً في إقليم يعاني تاريخياً من حساسية العلاقة بين الإدارة والساكنة.
الإشكال المطروح، كما يراه متتبعو الشأن المحلي، لا يتعلق بممارسة المسؤولين لحقوقهم الإدارية، بل بمدى وجود آليات مؤسساتية واضحة تضمن التعويض الفعلي والناجع في غياب المسؤول الأول، وتمنع تحول العطل إلى فراغ إداري أو ارتباك في اتخاذ القرار.
فالمرفق العمومي، من حيث المبدأ، لا يعترف بالعطل بقدر ما يعترف بالاستمرارية. وأي خلل في هذا المبدأ، مهما كانت مبرراته، ينعكس مباشرة على مصالح المواطنين، خاصة في القضايا المستعجلة المرتبطة بالإدارة الترابية، والاستثمار، والشكايات، والتدخلات الميدانية.
تداول معطيات محلية حول تزايد تنقل عدد من رؤساء الدوائر وقياد الجماعات القروية خارج الإقليم خلال نهايات الأسبوع يضيف طبقة جديدة من القلق المشروع.
فحتى إن لم تكن هذه التنقلات مخالفة للقانون، فإنها تطرح سؤال الحضور الميداني في إقليم يحتاج، أكثر من غيره، إلى إدارة قريبة من المواطن، لا إدارة تُدار من الهاتف أو من خارج المجال الترابي.
ويذهب بعض الفاعلين المحليين إلى اعتبار هذا الوضع مؤشراً على خصاص في التنسيق وضعف في منظومة التتبع، ما يجعل عدداً من الملفات الإدارية عالقة، أو مؤجلة، في انتظار “عودة المسؤول”، وكأن الإدارة مرتبطة بالأشخاص لا بالمؤسسات.
إن ما يحدث بالحسيمة يعيد إلى الواجهة سؤال الحكامة الترابية، ليس كشعار دستوري أو خطاب رسمي، بل كممارسة يومية تُقاس بمدى ربط المسؤولية بالمحاسبة، ووضوح توزيع الاختصاصات، ووجود خطوط قيادة بديلة واضحة في فترات الغياب.
فالإدارة التي تتوقف فعاليتها مع أول عطلة، أو أول نهاية أسبوع، هي إدارة لم تستوعب بعد معنى الخدمة العمومية، ولا انتظارات مواطنين لم يعودوا يقبلون التبرير بالمساطر أو الغياب المؤقت.
وفي غياب توضيحات رسمية من الجهات المعنية، يبقى النقاش مفتوحاً، لا من باب الاتهام، بل من زاوية المساءلة المشروعة، فساكنة إقليم الحسيمة لا تطالب بالمستحيل، بل بإدارة حاضرة، يقظة، وقادرة على ضمان الحد الأدنى من الاستمرارية، بعيداً عن منطق “توقيف الزمن الإداري” كلما حلّت عطلة أو مناسبة.
إن الرهان اليوم ليس في نفي وجود الخلل أو تبريره، بل في الاعتراف بالحاجة إلى إصلاح حقيقي في تدبير الزمن الإداري والمسؤولية الترابية، بما يعيد الثقة بين المواطن والإدارة، ويقطع مع الإحساس المتكرر بأن الإقليم يُدار أحياناً بالحد الأدنى من الاهتمام.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد