هبة زووم – ميدلت
أصدرت مفتشية حزب الاستقلال بإقليم ميدلت بلاغاً توضيحياً على خلفية ما تم تداوله في بعض الصفحات المحلية ومواقع التواصل الاجتماعي من أخبار وتعليقات، اعتبرتها تتضمن معطيات غير دقيقة وتأويلات مغلوطة حول الوضع التنظيمي للحزب بالإقليم، في خطوة أعادت فتح النقاش حول حدود الشفافية الحزبية وعلاقة الهياكل التنظيمية بقواعدها في ظل الاستحقاقات السياسية المرتقبة.
فبينما يُفترض أن تكون البيانات التوضيحية أداة لتبديد الغموض وتصحيح المغالطات، تتساءل أوساط محلية: هل يكفي النفي الرسمي لوقف تسرب المناضلين؟ وأي انسجام تنظيمي هذا الذي يُدار في كواليس مغلقة بينما تنتشر الشائعات في فضاءات مفتوحة؟
اللقاءات الرمضانية: دينامية تنظيمية أم ترميم صورة؟
أوضح البلاغ أن اللقاءات التواصلية التي تجمع مناضلي الحزب ومستشاريه، بما في ذلك اللقاءات الرمضانية، تندرج في إطار الدينامية التنظيمية العادية التي يحرص الحزب على ترسيخها بين مختلف مكوناته، بهدف تعزيز التواصل الداخلي وتبادل وجهات النظر حول القضايا المرتبطة بالشأن العام المحلي.
هذا التبرير التنظيمي يطرح إشكاليات نقدية: لماذا لا تُعلن تفاصيل أجندة اللقاءات لضمان شفافية النقاشات الحزبية؟ وأين هي مخرجات هذه اللقاءات التي يفترض أن تُترجم إلى مواقف ومبادرات ملموسة؟ وكيف يمكن التمييز بين التواصل الحقيقي واللقاءات الشكلية التي تُنظم فقط للصورة الإعلامية؟
فتحويل الدينامية التنظيمية من فضاء للنقاش إلى مناسبة بروتوكولية لا يُهدد فقط مصداقية العمل الحزبي، بل يُرسّخ ثقافة الشكل دون المضمون التي لطالما عانت منها الأحزاب المغربية في علاقتها بقواعدها.
لا أزمة.. لا استقالات: نفي رسمي وشكوك شعبية
نفَت المفتشية ما تم الترويج له بخصوص وجود أزمة تنظيمية أو موجة استقالات داخل الحزب بإقليم ميدلت، مؤكدة أن هذه الادعاءات لا تستند إلى معطيات دقيقة، ولا تعكس حقيقة الوضع داخل هياكل الحزب، الذي يواصل عمله في إطار مؤسساته التنظيمية بشكل طبيعي وفي أجواء من المسؤولية والانسجام.
لكن هذا النفي القاطع يطرح أسئلة محرجة: لماذا تنتشر الشائعات أساساً إذا كان الوضع التنظيمي مستقراً ومنسجماً؟ وأين هي آليات الاستماع التي تتيح للمناضلين التعبير عن انشغالاتهم دون خوف من التهميش؟ وكيف يمكن قياس نبض القاعدة بينما تُدار الملفات في غرف مغلقة؟
فاستمرار الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني لا يُغذي فقط شكوك الرأي العام، بل يُعمّق شعور المناضلين بـاللامبالاة القيادية التي تُحوّل الانسجام من واقع معاش إلى شعار إعلامي.
التزكية البرلمانية: حسم تنظيمي أم إقصاء مُقنّع؟
أشار البلاغ إلى أن مؤسسات الحزب المختصة حسمت، وفق المساطر التنظيمية المعمول بها، في موضوع التزكية البرلمانية بالإقليم، وهو ما يعكس – بحسب المفتشية – وضوح الرؤية داخل الحزب ويضع حداً لما يتم تداوله من تكهنات خارج الأطر التنظيمية المعتمدة.
لكن هذا الحسم التنظيمي يطرح إشكاليات استراتيجية: لماذا لا تُعلن معايير التزكية لضمان تكافؤ الفرص بين المرشحين؟ وأين هي شفافية المسطرة التي تمكن المناضلين من فهم منطق الاختيارات؟ وكيف يمكن ضمان تمثيلية حقيقية بينما تُتخذ القرارات في لجان مغلقة؟
إن تحويل التزكية من استحقاق ديمقراطي إلى قرار إداري لا يُهدد فقط مصداقية الاختيارات الحزبية، بل يُرسّخ ثقافة الإقصاء المنظم التي تُضعف ثقة القواعد في هياكلها القيادية.
دعوة لـ”تحري الدقة”: هل يطبق الحزب ما يدعو إليه؟
دعت مفتشية الحزب مختلف الفاعلين الإعلاميين والصفحات المحلية إلى تحري الدقة والمسؤولية في نقل الأخبار، تفادياً لنشر معطيات قد تساهم في تضليل الرأي العام، مؤكدة في الوقت ذاته استمرار انخراط الحزب في خدمة قضايا ساكنة الإقليم والدفاع عن مصالحها في إطار عمل سياسي مسؤول وبنّاء.
هذا النداء المسؤول يطرح سؤالاً جوهريا: هل يطبق الحزب نفسه مبدأ الدقة والمسؤولية في تدبير ملفاته الداخلية وفي تواصله مع قواعده؟
فتحويل النقد الخارجي من فرصة للمراجعة إلى مؤامرة للتشويه لا يُضعف فقط قدرة الحزب على التطور، بل يُعمّق شعور المواطنين باللامبالاة الحزبية التي تُحوّل الخدمة العامة من رسالة نضالية إلى شعار انتخابي.
ما ننتظره: من البيان إلى الممارسة الشفافة
لم يعد مقبولاً أن تُترك ملفات الأحزاب رهينة بيانات النفي وشائعات التسرب، ما يحتاجه المناضلون والمهتمون بالشأن السياسي اليوم هو شفافية كاملة في تدبير ملفات التزكيات، مع نشر معايير الاختيار ونتائج التصويت الداخلي إن وُجد.
كما يتطلب الأمر آليات استماع فعلية تتيح للمناضلين التعبير عن انشغالاتهم دون خوف من العقاب التنظيمي، بالإضافة إلى تواصل منفتح مع الإعلام المحلي، مع تقديم معطيات دقيقة وموثقة بدل النفي العام الذي لا يُقنع أحداً.
ويُنتظر أيضاً مراجعة دورية للدينامية التنظيمية، لضمان أن اللقاءات تُنتج مواقف لا فقط صوراً تذكارية، مع محاسبة داخلية لكل من يثبت تورطه في تسريب معلومات مغلوطة أو تضليل القاعدة، لضمان نزاهة العمل الحزبي.
ما يعيشه حزب الاستقلال بإقليم ميدلت مع جدل البيان التوضيحي ليس خلاً ظرفياً، بل هو اختبار لمصداقية الحكامة الحزبية وقدرة الهياكل القيادية على تجاوز عقلية التعتيم لخدمة المصلحة العامة، فإما أن يُترجم البيان إلى ممارسة شفافة ومنفتحة، تُعيد الثقة بين القيادة والقاعدة، وتضمن نزاهة الاختيارات، وإما أن تستمر ثقافة النفي التي تُحوّل الأزمات الداخلية من فرص للإصلاح إلى جروح نزفية تُهدر طاقة الحزب في حروب الشائعات.
تعليقات الزوار