الديموقراطية أخلاق أولا

كريم السعيدي

ان كلمة الديمقراطية مشتقة من الكلمة اليونانية “ديموس وكراتوس” و تعني حكم الشعب نفسه بنفسه.
وفي النظم الديمقراطية ، الشعب يملك السلطة السيادية على التشريع والحكومة.
وتتجسد الديموقراطية في مجموعة من المبادئ والممارسات التي تحمي حرية الإنسان؛ إنها بمعنى آخر مأسسة للحرية.
ولكن قد يعتقد البعض أنه حينما نذكر كلمة “ديمقراطية” فالمقصود بها هو المعنى الدارج وهو المعنى السياسي، و إذا دققنا النظر في الحياة بشكل أعم سنجد أن الأخلاق والتعامل الآجتماعي يتطلبان أيضا نوعا من الديمقراطية.
وعند وصف الأخلاق بالديمقراطية تتبادر إلى الذهن معان عديدة عفوية، فالأخلاق الديمقراطية تعني المساواة في الحق، والتعاون، والتواضع و السماحة، ويفهم السامع لهذه الكلمة أن المجتمع الذي تسوده الأخلاق الديمقراطية هو مجتمع لا توجد به انشقاقات ولااختلالات ولا نقائص.
.
.

فبالأمس القريب تمت متابعة رئيس فريق بايرن ميونيخ الألماني بتهمة التهرب الضريبي، اعترف بالتهمة وقدم اولي هونيس (62 عاما) استقالته من ادارة الفريق نادي ايرن ميونيخ بطل دوري المانيا لكرة القدم تفاديا لكل تشويه قد يلحقه( الفريق)، وفضل الدخول الى السجن بعد الحكم عليه بثلاثة اعوام ونصف مؤكدا أنه لن يطعن في الحكم الصادر بحقه .

كما نورد مثالا آخر يتعلق بعضو بمجلس الشيوخ الفرنسي الذي قدم طلبا للمجلس لرفع الحصانة عنه ليتمكن من الدفاع عن نفسه، فقررالمجلس رفع الحصانة عن “سيرج داسو” العمدة السابق لبلدة كوربي في مقاطعة ايسون الفرنسية للاستماع إليه في الاشتباه في تورطه في تقديم رشاوى للناخبين.

ويرأس داسو (88 عاما) مجموعة داسو التي تضم شركة داسو للطيران منتجة طائرة مقاتلة، فضلا عن صحيفة “لو فيجارو” المحافظة وعدد من الشركات الأخرى، وانتخب داسو لعضوية مجلس الشيوخ عام 2004 ليمثل حزب الاتحاد من أجل حركة شعبية.

نحن هنا أمام ثلاثة أطراف: المواطن،و القضاء،والمؤسسات، ترتبط بالممارسة الديموقراطية بشكل ملموس ومباشر.
فالمواطن يجسد من خلال ممارسته تلك الأخلاق والمبادئ الديموقراطية من خلال الاعتراف بالذنب أولا ثم احترام ذاته تجاه من يمثلهم اضافة الى احترام المؤسات.
أما القضاء فيبرهن أنه فعلا سلطة مستقلة ونزيهة أمام شخصيات نافذة وتمثل مؤسسات ذات سلطة ونفوذ، لكن رغم ذلك لم يتم اطالة أمد المحاكمة شهورا وسنين؟؟؟ أما المؤسسات باعتبارها أرقى أشكال التنظيم بمختلف أبعاده، فظلت بعيدة ومحايدة عندما يتعلق الأمر بمحاكمة يكون فيها القضاء طرفا.

لكننا نتساءل حول واقع قضائنا وواقع سياسيينا ومؤسساتنا؟ لماذا لا يسارع سياسيينا لطلب رفع الحصانة عنهم عندما ثار قضية ما، ولنا في البرلمان ومجلش المستشارين ومؤسسات تابعة للدولة أمثلة متعددة.
اذ يسارعون الى البحث عن مظلة للاختباء بها حتى لو كانت ورقة(رسالة) من سلطة عليا، وهم أنفسهم الذين لا يتوانون عن التبجح بالقيم الديوقراطية تارة بالسويد وتارة بفرنسا وتارة بابريطانيا.
.
.
أما القضاء فأطواره عبارة عن مسلسل مكسيكي ممل تتعدد حلقاته شهورا وربما سنين، ولنا في قضايا صندوق الإيداع والتدبير والقرض الفلاحي سابقا خير مثال رغم تعدد الأمثلة.
في حين تسارع مؤسساتنا الى تدبيج البيانات وكأن الأمر يتعلق بها، في خطة فاضحة لخلط الأوراق في عملية تحيل الى رغبة مدروسة وعن سبق اصرار وترصد لشخصنتها(المؤسسات).

فهل يمكن أن تتعارض الديمقراطية مع الأخلاق؟ وهل تكسب الديمقراطية أم الأخلاق إذا حدث هذا التعارض؟!

أمام هذا الوضع الشاذ في بلادنا، واذا ما أضيف إلىه كل ما يشاهده الناس من شطحات ونوبات غضب هستيرية في البرامج التلفزيونية الحوارية التي تحولت في الغالب إلى حلبات لصراع الديكة وتبادل حملات التجريح والسباب والشتيمة، فإن ما بقي من بعض الاحترام لهذه النخب يضحي محل تساؤل حقيقي على هذا النحو.
وهذا المشهد لن يستفيد منه سوى أولئك الذين يؤمنون بأن النظام الديمقراطي لم يخلق للعرب والمسلمين بل هو خصوصية غربية محضة.
وإنه لمحزن ومؤسف، بالتالي، أن لا نعير للأخلاق قيمة في مسعانا إلى إنجاح المشروع الديمزقراطي -التنموي، وأن لا تكون النخب مدركة لمسؤوليتها الأخلاقية أولا قبل مسؤوليتها السياسية، وأن لا يكون لديها استعداد لتعطي المثل في العمل بقيم التسامح والتعفف واحترام أدب الحوار والتزام قواعد التنافس الشريف والنزيه.

فالاختبار الحقيقى لأى قانون،يظل هو الواقع وتحدياته، والديمقراطية التى تعني أن يحكم الشعب نفسه بنفسه لا يمكن أن تحدث فى أى مجتمع دون وجود قيم أخلاقية مثل الحرية والعدل والمساواة، فهذه القيم هى التى تضمن التطبيق الحقيقى للديمقراطية.
.
إذن الديمقراطية نفسها ليست سوى قيم أخلاقية عند التطبيق، وهذا التعارض الذى بنيت عليه، لا يجب أن يتواجد أصلاً لأن الأخلاق لا تتعارض مع نفسها!

 

 

 

 

 

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد