هبة زووم – زاكورة
في زاكورة، تلك الرقعة المترامية في عمق الجنوب الشرقي المغربي، حيث قساوة الطبيعة تقابلها قسوة السياسات، تعيش مؤسسات الرعاية الاجتماعية حالة من الانهيار البطيء، أو لنقل، إهمالًا ممنهجًا يفرغها من معناها ورسالتها.
في صمتٍ يوازي العزلة الجغرافية، تكابد شغيلة هذه المؤسسات — من طباخين وسائقين وأطر إدارية وتربوية — حياة قاسية، بعدما تحوّلت أجورهم إلى حلم مؤجل، وحقوقهم إلى رفاهٍ غير متاح. هؤلاء الذين يُفترض أنهم يُطوّقون الهشاشة بالأمل، صاروا هم أنفسهم في عين العاصفة: خمسة أشهر من العمل بلا أجر، وأكثر من سنة في حالات أخرى.
في وقتٍ تحتفي فيه الدولة بخطط مكافحة الهدر المدرسي والتهميش، تعيش دار الطالب والطالبة في زاكورة على ما يشبه التبرعات النفسية. فالجهود المبذولة داخلها، من تحضير الوجبات إلى تأمين المبيت، تتم بفضل “النية” و”الضمير المهني”، لا بفعل أي التزام مؤسساتي من الدولة أو الشركاء المفترضين.
وبينما تُفتح المدارس كل صباح، يواصل العاملون أداء مهامهم بلا مقابل، يكابرون الجوع والديون حفاظًا على كرامة الأطفال. لا تأمين، لا تعويضات، لا آفاق، فقط نضال صامت لا يسمعه أحد.
البيان الصادر عن المكتب النقابي المنضوي تحت لواء الاتحاد العام للشغالين بالمغرب لم يهادن أحدًا، فقد وُجِّهت فيه أصابع الاتهام بشكل واضح إلى كل الجهات المتدخلة في المنظومة: وزارة التضامن والتعاون الوطني، مجلس الجهة، المجلس الإقليمي، الجماعات المحلية، وزارة التربية الوطنية، والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية.
وحسب المعطيات التي كشفها البيان، فإن المنح المرصودة أصبحت غير كافية، تُصرف مُجزأة وبعشوائية، دون احترام لخصوصيات كل مؤسسة أو حاجياتها، بل هناك مؤسسات مغلقة كليًا نتيجة غياب المستخدمين، كما في حالة “مزكيطة”، التي تحولت إلى عنوان صارخ لفشل السياسات العمومية في تدبير ملفات الرعاية الاجتماعية بالمغرب غير النافع.
ورغم أن السنوات ما بين 2013 و2019 شهدت تنزيلًا جزئيًا لمخطط إصلاحي بشراكة مع السلطة الإقليمية، إلا أن غياب الإرادة السياسية، والتراجع غير المفهوم عن الالتزامات، أعاد الأمور إلى مربع الصفر، بل أسوأ.
أزيد من 40 مؤسسة تعيش أوضاعًا كارثية في الإقليم، دون أي ضمان للاستمرارية، أو توفير أدنى شروط الكرامة للمستخدمين. وزارة التربية الوطنية، حسب البيان، لم تحرّك ساكنًا رغم ارتباط هذه المؤسسات بشكل عضوي بمهمة محاربة الهدر المدرسي. والجهة، رغم ضخامة ميزانيتها، لم تصرف منحتها، أو على الأقل لم تحافظ على قيمتها التضامنية.
النقابة دعت بشكل مباشر إلى صرف مستحقات الشغيلة فورًا، رفع قيمة المنح وتثبيتها قانونيًا وإدماج العاملين في منظومة قانونية تحمي حقوقهم (إما في الوظيفة العمومية أو عبر التعاون الوطني) وإخراج النصوص التنظيمية للقوانين المعطلة (45.18 و65.15)، كما لوّحت بخوض كل الأشكال النضالية، دون استبعاد الإضراب، مُحمِّلة المسؤولية الكاملة لكل الجهات المتدخلة.
البيان لم يخلُ من بعد أخلاقي وإنساني، فقد عبّر عن رفض “الصدقات” والحلول الموسمية التي تُقدّم عند اشتداد الأزمة، داعيًا إلى إصلاح هيكلي ومستدام يعيد الاعتبار لنساء ورجال الرعاية الاجتماعية، كما أعلن تضامن الشغيلة مع الشعب الفلسطيني، في لمسة رمزية تؤكد أن الكرامة لا تتجزأ، سواء في غزة أو زاكورة.
في بلدٍ يرفع شعار “الدولة الاجتماعية”، يبدو أن الفئات الاجتماعية الأكثر هشاشة هي التي تموّل السياسات العمومية بصبرها وكرامتها، وفي زاكورة على وجه التحديد، حيث الطرق لا تصل إلا بعد أن تتآكل، تصل الكرامة متأخرة… أو لا تصل أبدًا.
تعليقات الزوار