إمزورن.. مدينة تُستنزف بصمت بين فشل التدبير وغياب المحاسبة

حدو أخشيش – الحسيمة
لا تنهار المدن بين ليلة وضحاها، بل تتآكل تدريجياً عندما يغيب التخطيط، وتُستبدل الرؤية الاستراتيجية بمنطق التدبير اليومي المرتجل، وتُقدم الحسابات الانتخابية الضيقة على المصلحة العامة.
وهذا، وفق ما يؤكده عدد من الفاعلين المحليين، هو الواقع الذي تعيشه مدينة إمزورن، التي كانت إلى وقت قريب إحدى أبرز الحواضر النشيطة بإقليم الحسيمة، قبل أن تدخل دوامة من الاختلالات التي مست مختلف القطاعات الحيوية.
فالمدينة التي عُرفت بحركيتها الاقتصادية، وبكونها خزانا للكفاءات والأطر والمثقفين والرياضيين، أصبحت اليوم، بحسب متتبعين، تعاني من تراجع واضح في جودة الخدمات العمومية، ومن غياب رؤية تنموية قادرة على مواكبة انتظارات الساكنة، في وقت تتزايد فيه مظاهر التدهور في الفضاءات العامة والبنيات الأساسية.
وتبرز البنية التحتية في مقدمة المؤشرات التي تعكس هذا التراجع، إذ تعرف عدد من الشوارع والأزقة وضعية متدهورة بسبب الحفر واتساع رقعة الطرق المهترئة، فيما تحولت الأرصفة في عدة محاور إلى فضاءات محتلة، الأمر الذي أفقدها وظيفتها الأساسية في حماية الراجلين، ودفع المواطنين إلى استعمال قارعة الطريق، بما يحمله ذلك من مخاطر على سلامتهم.
ولم تقف الاختلالات عند هذا الحد، بل امتدت إلى انتشار الأسواق العشوائية داخل الشوارع الرئيسية، وما تخلفه من اختناق مروري يومي، إضافة إلى تعطل إشارات المرور في عدد من المدارات، وهو ما يضاعف من صعوبة حركة السير ويطرح تساؤلات حول نجاعة الصيانة والتدخلات التقنية.
أما على مستوى الخدمات الصحية، فيبقى ملف مستشفى القرب الكائن بمنطقة آيت موسى وعمر من أكثر الملفات إثارة للجدل، بعدما ظل المشروع، بحسب عدد من المواطنين، دون استغلال فعلي رغم الاعتمادات المالية التي رُصدت لإنجازه، وهو ما حرم الساكنة من خدمات صحية كانت تعول عليها لتخفيف الضغط عن المؤسسات الصحية الأخرى وتقريب العلاج من المواطنين.
وفي المقابل، يثير تدبير المال العام بدوره نقاشاً واسعاً، في ظل مطالبة فعاليات محلية بمزيد من الشفافية في تدبير الصفقات العمومية وترتيب الأولويات.
ويزداد هذا النقاش حدة مع إعلان المجلس الجماعي عن تنظيم سهرات فنية خلال شهر غشت، وهو ما يدفع عدداً من المواطنين إلى التساؤل حول مدى انسجام هذه النفقات مع واقع المدينة وحجم الإكراهات التي تعانيها في مجالات البنية التحتية والنظافة والصحة والتنظيم الحضري.
ولا يتعلق الأمر، بحسب متابعين، برفض الأنشطة الثقافية أو الفنية في حد ذاتها، وإنما بترتيب الأولويات، إذ يعتبرون أن التنمية الحقيقية تبدأ بتوفير الحد الأدنى من الخدمات الأساسية، قبل تخصيص اعتمادات لمظاهر احتفالية لا تعالج المشاكل البنيوية التي تؤرق الساكنة.
ويؤكد فاعلون جمعويون أن ما تعيشه إمزورن اليوم ليس مجرد تعثر ظرفي، بل نتيجة تراكمات سنوات من ضعف الحكامة وغياب التخطيط الاستراتيجي، وهو ما جعل المدينة تفقد تدريجياً جزءاً من مكانتها كقطب حضري كان يُراهن عليه في احتضان مشاريع تنموية كبرى.
وأمام هذا الواقع، تتعالى الأصوات المطالبة بتفعيل آليات المراقبة وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإخضاع مختلف الملفات المرتبطة بتدبير الشأن المحلي للتقييم والافتحاص، بما يعزز ثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة ويضمن حسن تدبير المال العام.
فإمزورن لا تحتاج اليوم إلى مزيد من الوعود أو الشعارات، بل إلى إرادة حقيقية تعيد ترتيب الأولويات، وتضع المواطن في صلب السياسات العمومية، لأن مستقبل المدن لا يُبنى بالمهرجانات وحدها، وإنما بالتخطيط الرشيد، والشفافية، والاستثمار في البنيات الأساسية والخدمات التي تحفظ كرامة السكان وتعيد للمدينة المكانة التي تستحقها.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد