اليحياوي يفتح النار على تعويضات الوزراء: مليار ونصف سنتيم عند نهاية المهمة والوطنية لا تتجاوز أبواب قصورهم

هبة زووم – الرباط
فتح الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي، في تدوينة شديدة اللهجة، ملف التعويضات التي يحصل عليها الوزراء عند انتهاء مهامهم، موجهاً انتقادات حادة لما يعتبره امتيازات مالية لا تنسجم مع أوضاع البلاد الاقتصادية والاجتماعية، ولا مع حجم الضغوط التي يتحملها المواطن المغربي.
اليحياوي أشار إلى أن الوزراء، عند انتهاء مهامهم، يستفيدون من تعويض يعادل عشرة أشهر من راتبهم الشهري، موضحاً أن هذا الامتياز يستند، بحسب ما أورده، إلى مقتضيات قانون يعود إلى سنة 1975.
وبلغة لا تخفي غضبه، قدّر اليحياوي مجموع ما يمكن أن يصرف للوزراء الحاليين في إطار هذه التعويضات بحوالي مليار ونصف سنتيم، أي ما يعادل 15 مليون درهم، فضلاً، وفق تدوينته، عما سيستفيد منه هؤلاء من معاشات تقاعدية بعد مغادرة المسؤولية الحكومية.
ويرى الباحث أن الإشكال لا يكمن فقط في قيمة التعويضات، وإنما في استمرار منظومة من الامتيازات المالية التي يعتبرها بحاجة إلى مراجعة، خصوصاً في ظل واقع اقتصادي واجتماعي يفرض، حسب تعبيره، الكثير من الأسئلة حول العدالة في توزيع الأعباء والموارد العمومية.
ويذهب اليحياوي أبعد من ذلك، منتقداً استفادة وزراء قال إن عدداً منهم يتوفر أصلاً على أوضاع مالية مريحة، بل إن بعضهم، بحسب توصيفه، ينتمي إلى عالم الأعمال، فيما راكم آخرون سنوات طويلة في المسؤوليات الحكومية.
وفي مقابل ذلك، يستحضر اليحياوي صورة المواطن الذي يواجه ارتفاع تكاليف المعيشة، وضغط الأسعار، وضيق القدرة الشرائية، في وقت تواجه فيه الدولة بدورها تحديات مرتبطة بالمديونية والإنفاق العمومي.
ومن هنا، يطرح الباحث سؤالاً أكبر من مجرد قيمة التعويض: هل ما كان مقبولاً في سبعينيات القرن الماضي، عندما أُقر الإطار القانوني لهذه التعويضات، لا يزال ملائماً اليوم؟ وهل من المنطقي أن يستمر العمل بامتيازات مالية صيغت في سياق اقتصادي واجتماعي مختلف جذرياً عن السياق الحالي؟
اليحياوي لم يكتفِ بانتقاد القاعدة القانونية، بل وجّه سهام نقده إلى ما يعتبره ثقافة متجذرة في التعامل مع المال العام، منتقداً، بعبارات قاسية، ما وصفه بإصرار المسؤولين على الاستفادة من الامتيازات إلى آخر لحظة، رغم إدراكهم، حسب تعبيره، لحجم الإكراهات التي تواجهها البلاد.
وتصل التدوينة إلى ذروتها حين يختصر اليحياوي موقفه من هذه الممارسات في عبارة شديدة الدلالة: “الوطنية عندهم خطاب… لا يجب أن تتجاوز عملياً جيوبهم وأبواب قصورهم”، قبل أن يختزل منطق الاستفادة، وفق توصيفه، في قاعدة “أنا أولاً وأخيراً” و”الباقي لهلا يقلب”.
وبعيداً عن حدة العبارات التي اختارها صاحب التدوينة، فإن النقاش الذي أثاره يضع أمام المؤسسات سؤالاً مشروعاً حول مستقبل هذه التعويضات ومدى ملاءمتها لمبادئ الحكامة والشفافية وترشيد الإنفاق العمومي.
كما يعيد هذا الجدل طرح مسألة أوسع: هل ينبغي أن تكون نهاية المسؤولية السياسية مناسبة للحصول على امتياز مالي تلقائي، أم أن مراجعة هذه القواعد أصبحت ضرورة تفرضها التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تعرفها البلاد؟
وإذا كانت هذه التعويضات مؤطرة قانوناً، فإن ذلك لا يمنع من فتح نقاش عمومي ومؤسساتي حول جدواها وعدالتها وكلفتها، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالمال العام.
فالحديث هنا، في نهاية المطاف، لا ينبغي أن يتوقف عند مبلغ مالي محدد، بل أن يمتد إلى فلسفة تدبير المسؤولية العمومية نفسها: **هل المنصب الحكومي تكليف لخدمة المواطنين، أم بوابة إلى حزمة من الامتيازات التي تستمر حتى بعد مغادرة المنصب؟**
ذلك هو السؤال الذي أعاد اليحياوي وضعه بقوة على الطاولة، في انتظار أن تتعامل معه المؤسسات بمنطق النقاش العمومي الهادئ، لا بمنطق الصمت واعتبار الامتيازات أمراً مفروغاً منه.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد