من “البرنامج” إلى “الظرف”.. مزاعم شراء الأصوات تعكر أجواء الاقتراع بالناظور

هبة زووم – الناظور
لم يكد يوم الاقتراع ينطلق حتى عادت، عبر عدد من صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، صور ومقاطع فيديو أثارت من جديد واحداً من أكثر الملفات حساسية في المشهد الانتخابي: المال الانتخابي ومحاولات التأثير على إرادة الناخبين.
المحتويات المتداولة، والتي لم يتسنَّ التحقق بشكل مستقل من جميع تفاصيلها أو من هوية الأشخاص والوقائع التي توثقها، أعادت إلى الواجهة سؤالاً قديماً يتجدد مع كل استحقاق: هل ما زال هناك من يعتقد أن الطريق إلى صندوق الاقتراع يمكن اختصاره في ظرف مالي بدل برنامج انتخابي؟
المفارقة تبدو واضحة؛ فالانتخابات يفترض أن تكون محطة لاختيار ممثلين قادرين على الدفاع عن قضايا المواطنين داخل المؤسسة التشريعية، وعلى تقديم تصورات وبرامج وحلول لمشاكل المجتمع. لكن بعض الممارسات المتداولة توحي، إذا ما ثبتت صحتها، بمنطق مختلف تماماً: لا برنامج، لا نقاش، لا إقناع.. فقط مال وناخب وصندوق اقتراع.
من “البرنامج” إلى “الظرف”
المثير في هذه المزاعم أن النقاش لا يتعلق بمجرد سلوك انتخابي عابر، وإنما بممارسة تمس جوهر العملية الديمقراطية، لأن التصويت يفترض أن يكون تعبيراً حراً عن إرادة الناخب، لا نتيجة لمقابل مادي أو منفعة ظرفية.
وإذا كانت الصور والفيديوهات المتداولة لا تكفي وحدها لإثبات ارتكاب مخالفات انتخابية، فإنها في المقابل تستوجب، متى تضمنت معطيات قابلة للتحقق، أن تتولى الجهات المختصة البحث فيها وتحديد حقيقة ما يظهر فيها، بدل أن تتحول مواقع التواصل إلى ساحة للأحكام الجاهزة والاتهامات المتبادلة.
فالمطلوب ليس إدانة أشخاص بناء على منشورات مجهولة المصدر، وإنما التأكد من الوقائع وترتيب المسؤوليات القانونية في حال ثبوت أي تجاوز.
المغرب الرقمي.. والعقلية الانتخابية القديمة
المفارقة الأكثر إثارة للسخرية هي أننا نعيش في سنة 2026، في زمن الرقمنة والذكاء الاصطناعي والإدارة الإلكترونية، ونتحدث باستمرار عن بناء مغرب المستقبل، بينما ما تزال بعض الممارسات الانتخابية، وفق ما يتم تداوله، تستحضر منطقاً قديماً يقوم على شراء الولاءات واستمالة الناخبين بالمال.
وكأن البلاد تركض بسرعة نحو المستقبل، فيما يحاول البعض شدها من الخلف وإعادتها إلى قاموس انتخابي عفا عليه الزمن.
وفي هذا السياق، تبدو العبارة الشعبية الساخرة “شد هاد الزرقلاف وصوّت ليا” أكثر من مجرد نكتة عابرة؛ إنها تختزل، في حال صحت بعض الوقائع المتداولة، مفارقة مؤلمة بين تطور الأدوات والتكنولوجيا من جهة، واستمرار بعض العقليات السياسية في التعامل مع الناخب باعتباره مجرد رقم قابل للشراء.
المواطن ليس آلة تصويت
المشكلة لا تكمن فقط في المال الذي قد يُدفع، وإنما في النظرة التي تقف خلفه، فالمواطن ليس آلة تصويت يمكن تشغيلها مقابل مبلغ مالي، ولا صوته سلعة تنتهي قيمتها بمجرد إغلاق الصندوق. إن الصوت الانتخابي قرار يفترض أن يرتبط بالمصلحة العامة، وباختيار من سيحمل مسؤولية التمثيل والدفاع عن مصالح المواطنين خلال الولاية المقبلة.
ومن هنا، فإن المال الذي قد يبدو لبعض المرشحين وسيلة سريعة لكسب الأصوات، يمكن أن يتحول بعد انتهاء الانتخابات إلى سؤال أكبر: ماذا قدمتم للمواطن مقابل ما دفعتموه له؟
التحقيق بدل الإشاعة
وبينما تواصل صفحات مواقع التواصل تداول صور ومقاطع مرتبطة بما يشتبه في كونه ممارسات لشراء الأصوات، تبقى مسؤولية التحقق قائمة على عاتق الجهات المختصة.
فإذا كانت تلك المحتويات مجرد إشاعات أو مقاطع مجتزأة أخرجت من سياقها، فإن توضيح الحقيقة ضروري لرفع الالتباس. أما إذا كشفت الأبحاث عن مخالفات فعلية، فإن القانون يظل الفيصل في تحديد المسؤوليات واتخاذ الإجراءات اللازمة.
وفي جميع الأحوال، فإن حماية نزاهة الاقتراع لا تبدأ ولا تنتهي يوم التصويت، وإنما تقوم على ضمان أن يصل الناخب إلى صندوق الاقتراع وهو يمتلك حريته الكاملة في الاختيار.
وفي الناظور، كما في باقي الدوائر الانتخابية، يبقى السؤال الحقيقي أكبر من مجرد صور وفيديوهات متداولة: هل انتصر البرنامج والإقناع، أم ما زال «الظرف» يجد طريقه إلى صندوق الاقتراع؟
الإجابة النهائية لا تصنعها منشورات مواقع التواصل، وإنما ما تثبته الوقائع والتحقيقات وما ستعلنه الجهات المختصة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد