هبة زووم – الرشيدية
عرفت الحضارات القديمة عند معظم الأمم مسرح الاطفال ولكن بشكل محدود كان يعتمد اساسا على مسرح الدمى وخيال الظل وقد احتل هذا الفن مكانا مرموقا بين الفنون الأخرى.
وفي عصرنا الحديث أخذ مسرح الطفل طابعا جديدا ولم يعد المسرح وسيلة للتسلية والترفيه فحسب بل أصبح وسيلة فعالة للتعليم والتثقيف ونشر الأفكار وصار يستخدم أداة فاعلة في مساعدة المعلمين في كثير من المواد العلمية والمنهجية ونقلها إلى الأطفال بأسلوب يعتمد عنصري التشويق والتبسيط بما يعود بالنفع والفائدة على الطفل في مراحل طفولته المختلفة.
ويجب أن تؤكد الموضوعات وتركز على غرس الأفكار والعادات الجيدة وتنمية أذواق الطفل وحبهم للخير وكذلك الاهتمام بالموضوعات التي تحفز الطفل إلى الإبداع والتفكير الخلاق والاهتمام أيضا بالمسائل التي تحارب الأوهام والخرافات والتقاليد الضارة وان تعبر الموضوعات عن الصراع من أجل حياة أفضل فالطفل لا يحب المسرحيات ذات السمة الغرامية وان لا يبالغ في العنف في العمل المسرحي لأنه يسبب الخوف للطفل
في الآونة الأخيرة هناك فقدان كبير في الماء أو بالأصح الموارد المائية وذلك جراء قلة نزول المطر و الجفاف الذي يهددنا من حين إلى آخر و من خلال هذه المؤشرات والتي للأسف غير سارة انبثقت الفكرة لإنجاز عمل مسرحي يناقش موضوع الحفاظ على المياه و التبذير ومن هنا نشأت الفكرة على مخيلة الاستاذ عماد الزغلامي لكتابة نص على الماء و من النص انتقلت الفكرة للتنفيذ كجنس فني يتشكل في عمل مسرحي موجه للأطفال بعنوان النهر السحري إنتاج جمعية فضاء الطفل بالراشدية المملكة المغربية و إدارة الاستاذ الزبير الصغيري .
هذه المسرحية هي عمل تربوي هادف موجه للطفل والعائلة و هو ناقد للعديد من النقاط مثل التبذير في الماء والمخاطر التي تنجر عنه .
لعب المخرج السيد حسان الحناشي خريج المعهد العالي للفن المسرحي بتونس على الجانب النفسي للطفل وقام بإخراج العمل كلوحات فنية متناسقة تشمل التمثيل و الإضاءة و اللعب على تمازج الألوان في العمل و اضافة بعض الآليات الحديثة مثل إضافة الفيديو في العمل و تقديمه في صورة ديزني(كرتوني) لكي يلفت به انتباه الطفل وفي نفس الوقت يستطيع فهمه و استيعابه كما ادخل المخرج مسرح العرائس و قام الممثلين في المسرحية بتحريك العرائس منها لعروسة العملاقة والتي تمثلت في قطرة الماء و قد قامت بتحريكها الممثلة الواعدة اماني مبروكي و العروسة المحمولة والتي قام بتحريكها الممثلة والعرائيسية ريان بنسالم و هنا يتجلى دور المخرج في التعمق في المسرحية فهو قد قام بإخراج العمل كما كان ممثلا فيه ومحرك للعروسة . أن تكون المسرحية التي تقدم لأطفال هذه المرحلة بسيطة، واضحة مشوقة، وتعتمد على المحسوسات وتعتمد على الحركة أكثر من اعتمادها على الكلام، وتستخدم الرسوم المتحركة والعرائس.
ادخل المخرج العروسة في العمل لتقريب الصورة أكثر و لتمكين كل الفئات من الجمهور من فهم موضوع المسرحية والحكمة منها و إدخال العروسة في المسرحية لم يأتي من فراغ لأن العروسة في علم النفس يمكن أن تؤثر في المتفرج الذي يعاني بعض المشاكل النفسية مثل ذوي الهمم وغيرهم وبهذا يكون المخرج قد ألم بكل جوانب العمل من الباث إلى المتقبل.
النهر السحري هو عمل احترافي بامتياز يرتقي إلى التميز والدقة فيه بداية من الفكرة نهاية إلى أراء المشاهدين فهو عمل خفيف الظل مشوق ومسلي يحمل رسالة هامة و مثيرة للجدل إلا وهي الماء بكل ما يحمله من معنى فهو يدعو إلى عدم التبذير للماء والمحافظة عليه بكل ما اوتينا من قوة و يطرح موضوع الجفاف من خلال قلة نزول المطر و غيرها من الأسباب وضعف المائدة المائية ،هي رسالة موجهة للأطفال و في باطنها رسالة للكبار والعائلة و الفرد والمجموعة فمسالة المحافظة على الماء هيا مسألة عامة تشمل كل الأفراد قال تعالى: (“أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ۖ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ۖ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ).
هذا العمل المسرحي لا يموت فهو عمل في ضاهره لهو وتسلية و في باطنه حكم ومواعظ مؤثرة و كم نحتاج لمثل هذه الأعمال لتوعية أطفالنا و تعليمهم و توجيههم إلى ماهو أفضل.
انه أقوى معلم للأخلاق، وخير دافع إلى السلوك الطيب اهتدت إليه عبقرية الإنسان، لأن دروسه لا تلقن بالكتب بطريقة مرهقة أو في المنزل بطريقة مملة، بل بالحركة المنظورة التي تبعث الحماس وتصل مباشرة إلى قلوب الأطفال.
إن كتب الأخلاق لا يتعدى تأثيرها العقل، وقلما تصل إليه بعد رحلتها الطويلة الباهتة، ولكن حين تبدأ الدروس رحلتها من مسرح الأطفال، فإنها لا تتوقف في منتصف الطريق، بل تمضي إلى غايتها.
من الصمت الى الصوت يمكن تراوح فاعلية الموسيقى في سياق المسرح فمن مسرح “لا موسيقى فيه ” بالمعنى المباشر والشائع لمفهوم الموسيقى ، الى مسرح يعتمد بالدرجة الاولى والاخيرة على الموسيقى ، ما يعنيه هذا الكلام ان كل مسرح هو موسيقى في جوهر فعله واشتغاله على الحواس والذهن وكل موسيقى هي مسرح في ما تشكله من ايحاءات وصور في البصيرة والمخيلة.
ففي مسرحية النهر السحري اظفى المؤلف العديد من الأغاني التي تصب في نفس الموضوع اغاني متميزة بكلامات شاعرية منغمة منتظمة ما بين القافية والعجز وقد قام المخرج بانتقاء 4 اغاني من بين هذه الأغاني و قام بتوضيفها وتوزيعها بصفة فنية متقنة تمشيا للرؤية الاخراجية له و لا ننسى بالذكر الاستاذ والموزع امين قطاطة الذي يتميز بحس فني راق متناغم مثل أنغام الموسيقى الذي امتعنا بتوزيع الأغاني و إضفاء رونق خاص على مسرحية النهر السحري لتشع جمالا و تدخل في ذهن المشاهد حتى بعد انتهاء المسرحية نرى الحاضرين عند خروجهم من العرض وهم يدندنون بالالحان الموسيقية التي تخللتها المسرحية.
ان العلاقة التفاعلية بين الصمت والصوت تشبه العلاقة التفاعلية الحياتية ، بين ما نفصح عنه وما لا نفصح عنه وفى الحالتين مضمون وفكر وحركة درامية تحرك الوجود والوجدان ، لذلك فإن وظيفة المسرح الموسيقى في مسرح الاطفال لا تقتصر على وضع بعض الالحان لبعض الاغنيات هنا وهناك ولا تتحدد في تعبئة الفراغات الكلامية والنصية او استباق الحالة النفسية او تعميقها ، ولا كذلك في تأليف بعض المعابر قتلا للوقت حتى يتسنى للطواقم العاملة انجاز مهامها من تبديل ملابس او تصاميم او غير ذلك.
وحتى لا ننسى أن النص كان مسجلا في استوديوهات Ak prod صفاقس تونس وهو من الرؤية الاخراجية للمخرج وذلك حسب رأي المخرج في تصريحه من تقنيات الأداء في مسرح العرائس يا حبذا لو يكون النص مسجلا لتفادي اي خطأ و لكي يستمع كل الحاضرين للنص بوضوح و فهم أحداث المسرحية فالممثل عليه أن يلتزم بكل تقنيات التحريك و التركيز على أهم التفاصيل و التدقيق فيها لكي لا يكون هناك خطأ و عليه أن ينسق بين الحركة من عنده والصوت الصادر من مكبر الصوت لكي تكون الحركة والصوت في نسق واحد.
فشكل الاصوات والنبرات و” حركة الكلمة ” كما احب ان اسميها عنصرا موسيقيا معنويا وجماليا خاصا في الاعمال المسرحية الخاصة بالأطفال فاختيار الاصوات ( اصوات الممثلين ) وكذلك جميع المؤثرات التي تندرج في سياق تشكل النبرة المسرحية هو عمل موسيقى بامتياز هذا ناهيك عن البعد المجازي للعناصر المابعد صوتية التي تشكل النبرة المسرحية وتداعياتها الدرامية بالأجمال.
الممثل لا يتكلم بنبرة تقريرية (الا اذا استدعى الامر ذلك) في مسرح الاطفال لكنه يستخدم نبرة ما ولونا صوتيا ما واداءا كلاميا ما يساهم ذلك كله في بناء الشخصية ويضفى عليها طابعا صوتيا هو ففي صلب الحس والتصميم الموسيقى لأبعاد الشخصية ، هذا نابع من ان البعد الصوتي الأدائي هو في صلب ما يشكل شخصية الانسان عموما فنحن قادرون عبر الهاتف ان نتعرف على هوية الشخص وعلى حالته المزاجية والنفسية فى اللحظة ذاتها فقط من خلال مكونات الصوت.
من مهام الموسيقي ان يتدخل في صناعة الاصوات التمثيلية لشخوص المسرحية وصقلها بما يخدم الدور المسرحي ، واستدعائها في التطويرات الموسيقية المرافقة والمحيطة لها عبر العرض المسرحي كما فعل الاستاذ امين قطاطة.
اما تقنيات الفيديو المستخدمة في مسرحية النهر السحري تتضمن: 1. البروجيكشن مابينغ (Projection Mapping): وهي تقنية تسمح بعرض الصور والفيديوهات على أسطح غير تقليدية مثل المباني والأشجار والأثاث، مما يخلق تأثيرًا بصريًا مدهشًا ويساهم في إثراء تجربة المشاهد. 2. الفيديو آرت (Vide Art)، وهي تقنية تجمع بين الفن التجريبي والفيديو.
واستعمال تقنيات الفيديو كانت مقصودة لأن اللعب على الأطر المكانية والزمانية في المسرحية لا يسمح لنا بتحظبر ديكور مناسب لكل فترة زمنية كما ذكر في المسرحية فالمخرج في المسرحية لعب على آلة السفر عبر الزمن وهي تقنيات الفيديو وقد لجأ إلى بث الفيديو في المسرحية بطريقة ممتعة وذكية و الذهاب بالطفل الي عالم الصور المتحركة بطريقة فنية ساخرة للواقع والقضية التي تعالجها المسرحية فمثلا في فيديو التبذير نشاهد في الفيديو كيفية التبذير بطريقة كرتونية ناقدة هكذا تمر الرسالة الي الطفل أكثر من تمريرها بالكلام أو بفيديوهات واقعية مؤلمة ولا ننسى بالذكر الأستاذة هاجر بنسالم التي قامت بتركيب هذه الفيديوهات و برمجتها.
يمكن القول أخيرًا أن المعنى هنا هو مسرح بالطفل وليس مسرحًا للطفل، أي ذلك المسرح الذي يعتمد على الطفل أساسًا في أغلب عناصره من الموضوع والتمثيل والغرض.
تعليقات الزوار