هبة زووم – أبو العلا العطاوي
تعيش مدينة بني ملال على وقع أسئلة مؤجلة ووعود مؤجلة أكثر، في ظل واقع مختل يراه كثير من المتتبعين نتيجة مباشرة لما يمكن وصفه بـ”عجز الإدارة الترابية” عن ضبط الإيقاع التنموي للجهة، وتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة في وجه من ثبت في حقهم التقصير أو التراخي في خدمة الشأن العام.
وإذا كان خطاب جلالة الملك قد شدد بوضوح على ضرورة تطبيق القانون على الجميع “وخاصة على المسؤولين”، فإن اختبار هذا المبدأ في مدينة بني ملال يبدو، حتى الآن، محفوفا بمعوقات بنيوية، تبدأ من ضعف الحكامة المحلية، ولا تنتهي عند حدود علاقات الزبونية والتواطؤ الصامت التي نخرت منظومة القرار لسنوات.
فمنذ تعيينه على رأس ولاية جهة بني ملال خنيفرة، أظهر الوالي محمد بنرباك وعيا مبكرا بأن المعركة الحقيقية لا تكمن في صياغة الخطط ولا تلميع الخطابات، بل في الاقتحام الجريء لحقول ظلت محرّمة بفعل تواطؤ المصالح، وسلبية بعض المنتخبين، وغموض بعض الملفات التي ظلت حبيسة الرفوف.
في مداخلاته الموجهة للمجالس المنتخبة، بدا الرجل واضحًا، لا يبحث عن المجاملة، بل يلوّح بمرحلة جديدة تُقاس بالنتائج لا بالوعود، بلغة “ما تم إنجازه” وليس “ما سنقوم به”، في إشارة إلى قطيعة محتملة مع عهد “الدبلوماسية الإدارية” التي جعلت من بعض المجالس أدوات لتزيين الفشل بدل محاصرته.
رغم هذه الإشارات الإيجابية، إلا أن بني ملال ما زالت تتأرجح بين ذاكرة مثقلة بالخيبات، وراهن يغازل الأمل بحذر، فمن المشاريع المتوقفة، إلى المناطق الصناعية الشبح، ومن الأحياء المهمشة إلى ضعف البنيات التحتية، يبقى السؤال الأكبر معلقًا: هل من إرادة حقيقية لتصحيح المسار؟
فعلى الأرض، لا تزال الهندسة الورقية تسبق الورش الحقيقي، واللقاءات البروتوكولية تعلو على النتائج الميدانية، فيما تُردد لغة “سنفعل” في قاعات الاجتماعات، أكثر مما يُقال: “أنجزنا”.
في ظل هذا الغموض، يبقى المواطن الملالي في الصفوف الخلفية، يحدّق في المشهد، لا ببراءة، بل بحكمة من خذلته التجارب مرارًا، وهو يتساءل، بشيء من التهكم وربما الألم: هل يكون بنرباك الاستثناء؟ أم أن ما يحدث لا يعدو كونه نسخة جديدة من نفس السيناريو القديم… مع تغيير الممثلين فقط؟
الوالي بنرباك أمامه فرصة نادرة: أن يُثبت أن المفهوم الجديد للسلطة ليس شعارًا يُتلى في الخطب، بل ممارسة يومية تُلامس واقع الناس وتعيد لهم الثقة، فبني ملال لا تحتاج إلى مشاريع ضخمة بقدر ما تحتاج إلى إرادة سياسية واضحة، وقرارات جريئة، ومحاسبة عادلة.
لكن، وكما علمتنا تجارب سابقة، وحدها الأيام كفيلة بفرز النوايا من الشعارات، والرجال من الإداريين، والسؤال الذي طرحناه منذ سنوات في افتتاحيات مشابهة يعود بإلحاح: هل نحن بصدد بداية جديدة؟ أم أن الوهم قرر أن يواصل جولته في مدينة أنهكها الانتظار؟
تعليقات الزوار