كلميم تحت رحمة الوالي أبهي.. حين تُدار الجهات بمنطق “السلطة الزائدة” وتُدفن الجهوية في رمال الصمت

هبة زووم – أبو العلا العطاوي
منذ اعتماد التقسيم الجهوي الجديد، رفع المغرب سقف التطلعات وربط مستقبل التنمية بمنظور الجهوية المتقدمة، كخيار استراتيجي لتقليص الفوارق المجالية وتعزيز القرب المؤسساتي.
لكن الواقع، بعد سنوات من هذا الرهان، يكشف مشهداً مغايراً، حيث تحوّلت بعض الجهات إلى فضاءات منكفئة على ذاتها، تدار بمنطق التمركز المقنع، وتخضع لهيمنة شخصيات تمسك بخيوط القرار بلا مساءلة ولا روح تحول.
جهة كلميم وادنون مثال صارخ لهذا الانحراف؛ مدينة تقاوم الاختناق في زمن اللا مركزية، وتحاول أن تبقى على قيد الحياة الإدارية في ظل والٍ يُنظر إليه من طرف كثيرين كرمز للجمود والتكلس.
والي الجهة، محمد الناجم أبهي، الذي طال مقامه واستطالت قبضته، بات بالنسبة لعدد من أبناء كلميم أكثر من مجرد مسؤول ترابي؛ بل تجسيداً لمرحلة يختلط فيها القرار السياسي بالمزاج الشخصي، والتدبير التنموي بالحسابات الضيقة.
اللاعبون الخفيّون: من يدير اللعبة فعلاً؟
المفارقة أن من يفهمون دينامية هذه الجهة ليسوا بالضرورة المنتخبين ولا من يسمون “أعيان القبائل”، بل أولئك الذين يراقبون من الظل، يُعرفون بين النخبة المحلية بلقب les observateurs critiques، مراقبون لا يُرون ولا يصرخون، يبتسمون بسخرية من كل اجتماع رسمي، ويعتبرون حديث “الإصلاح” نوعاً من النكتة البيروقراطية الثقيلة.
هؤلاء فهموا مبكراً أن اللعبة لا تُدار من المجالس المنتخبة، بل من حيث يُصاغ التقرير قبل أن يُذاع، ومن حيث تُمنح أو تُمنع ميزانية، ومن حيث يُعيّن المسؤول أو يُسحب من تحته البساط. لقد رأوا بأعينهم كيف يُلمّع الفاشلون، ويُقصى المتميزون، ويُفتح الإعلام لمن لا يملكون مشروعًا، ويُغلق أمام من يحملون برنامجًا حقيقيًا للتغيير.
السلطة الزائدة.. حين تصبح الجهة رهينة إرادة واحدة
أخطر ما تمر به جهة كلميم وادنون اليوم ليس فقط التعثر التنموي، ولا عزوف الشباب، ولا انسداد أفق التشغيل، بل ترسّخ “حالة طوارئ غير معلنة”، حيث يتحول المسؤول إلى حاكم مطلق، وتُختزل كل الإمكانيات في شخص الوالي، الذي يصير صندوقاً أسوداً، لا يحق لأحد أن يفتحه أو يراجع قراراته، لأنه – حسب منطق السلطة – هو من يُفكر ويقرر ويُنفذ.
وهنا نصل إلى متلازمة السلطة الزائدة، حيث تتحول كل إدارة إلى ماكينة توزيع الغنائم، وكل توقيع إلى فرصة للمساومة، وكل مشروع إلى “بركة” يستفيد منها المحظيون وحدهم، لا من يشتغلون أو يقترحون.
إنها لحظة سقوط المشروع الجهوي في فخ الولاء، حين يصبح الاقتراب من “السيد الوالي” شرطاً للنجاة الإدارية، وأداة للحصول على نصيب من الكعكة.
السؤال الحقيقي: من له المصلحة في استمرار هذا الوضع؟
ليس أبناء كلميم هم من يتمسكون بهذا الجمود، فهُم من يدفعون ثمنه يومياً، في غياب التنمية، وانغلاق الأفق، وتراكم الخيبات.
السؤال إذن من له المصلحة في الإبقاء على الوالي أبهي؟ من يستفيد من استمرار هذا النوع من التدبير الذي يغيب فيه مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتسود فيه ثقافة “الخضوع مقابل الامتياز”؟
إن استمرار هذا الوضع يعني شيئًا واحدًا: أن الدولة تخلّت عن مسؤوليتها في مواكبة التحول الجهوي الحقيقي، وتركت الجهات تُدار بعقليات ما قبل الإصلاح، حيث يُغيب المنتخب، ويُقمع الرأي، ويُحتقر المواطن.
ختامًا: هل من أفق للتحرر؟
في كلميم، هناك من لا يزال يؤمن بقدرة المدينة على النهوض، بشرط واحد: أن تخرج من القبضة الفردية، وأن تستعيد صوتها الحر، وأن تُدار المؤسسات وفق قواعد الحكم الرشيد لا الحسابات الشخصية.
الجهوية المتقدمة لا تبدأ من النصوص، بل من كسر القوالب القديمة، ومن إعادة توزيع السلطة بشكل عادل ومتوازن.
وإلى أن يتحقق ذلك، ستظل كلميم – كما قال أحد المراقبين – تُطبخ فيها التنمية في “ميكروويف الولاءات”، بلا طعم ولا مستقبل.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد