الدار البيضاء.. التسول من معاناة فردية إلى “صناعة مربحة”

هبة زووم – الدار البيضاء
تشهد العاصمة الاقتصادية الدار البيضاء تفاقماً لافتاً في ظاهرة التسول، حيث لم تعد مجرد سلوك فردي نابع من الحاجة والفقر، بل تحولت مع مرور الوقت إلى ظاهرة مجتمعية متجذرة، تتسع رقعتها يوماً بعد آخر، لتشمل مختلف الأحياء والشوارع وحتى أبواب المساجد والأسواق.
لم يعد المشهد مقتصراً على الأرامل، أو المسنين، أو الأشخاص في وضعية إعاقة الذين يمدون أيديهم بدافع الحاجة. بل باتت الظاهرة تشمل فئات أخرى تملك في بعض الأحيان عقارات أو مصادر دخل ثابتة، لكنها اختارت التسول باعتباره “مهنة سهلة” تدر دخلاً سريعاً دون عناء أو التزام ضريبي أو إداري.
هذا التحول جعل من التسول في الدار البيضاء أقرب إلى “صناعة” قائمة بذاتها، تديرها شبكات غير مرئية، تستغل هشاشة بعض الفئات وتعيد إنتاج الظاهرة بشكل منظم، ما يطرح علامات استفهام حول غياب الردع القانوني والبدائل الاجتماعية.
تزامن تفاقم هذه الظاهرة مع الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعيشها المغرب جراء ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، ما دفع العديد من الفئات الهشة إلى التسول كحل اضطراري لتأمين احتياجاتها اليومية. غير أن هذا التبرير لا ينفي حقيقة أن الظاهرة تحولت لدى آخرين إلى وسيلة “للثراء السهل”، بعيداً عن قيم الكرامة والعمل المنتج.
مشاهد التسول التي صارت لصيقة بشوارع الدار البيضاء تثير قلق المارة وتضع السياسات العمومية أمام مسؤولية جسيمة: إلى متى سيظل التسول يتوسع دون ضبط أو بدائل؟ ولماذا تتراجع الثقة في برامج الدعم الاجتماعي التي يفترض أن تخفف من الهشاشة؟ وهل ستظل الظاهرة تسير في اتجاه “المأسسة غير المعلنة”، حيث يصبح التسول بمثابة تقاعد مريح بلا أوراق ولا اشتراكات؟
الدار البيضاء، باعتبارها واجهة اقتصادية للمغرب، لا تحتمل أن يظل التسول جزءاً من صورتها اليومية. فالظاهرة ليست مجرد “مأساة فردية”، بل تحدٍّ اجتماعي وأمني وأخلاقي يستدعي إرادة سياسية جادة وحلولاً مبتكرة تتجاوز منطق المسكنات.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد