هبة زووم – محمد خطاري
يبدو أن الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الخامسة للولاية الحادية عشرة لم يكن مجرد افتتاح بروتوكولي، بل جرس إنذار سياسي مدوٍّ وجّه رسائل حاسمة إلى الحكومة والبرلمان والنخب الحزبية.
بلغة صريحة وواقعية، وضع جلالة الملك محمد السادس الأصبع على مواضع الخلل في السياسات العمومية، متحدثًا عن عدالة اجتماعية ومجالية ما تزال بعيدة المنال، رغم البرامج والمخططات التي ملأت الوثائق والبلاغات الرسمية.
تشخيص قاسٍ للواقع التنموي
حين شدد الملك على ضرورة تحقيق العدالة المجالية والاجتماعية، لم يكن الأمر مجرد توصية تقنية، بل إعلانًا ضمنيًا عن فشل السياسات الحكومية في تقليص الفوارق التي تتسع يومًا بعد يوم بين مغرب المدن المرفهة ومغرب القرى والمناطق الجبلية والواحات والسواحل.
هذه المناطق، كما ورد في الخطاب، لم تعد مجرد فضاءات جغرافية، بل رموزًا لمغربين متوازيين: مغرب الامتياز والرفاه، ومغرب التهميش والانتظار.
رسالة إلى حكومة أخنوش: كفى من الشعارات
الخطاب حمل بين سطوره انتقادًا واضحًا لنهج حكومة عزيز أخنوش، التي انشغلت بالواجهة الاقتصادية وبالبرامج الدعائية أكثر من اهتمامها بالنتائج الملموسة.
وحين استخدم الملك عبارة “ثقافة النتائج”، كان يوجّه رسالة صارخة إلى الحكومة مفادها أن الزمن لم يعد زمن التبريرات، وأن التنمية تُقاس بما يتحقق على الأرض لا بما يُكتب في التقارير.
فالبرامج المعلنة، رغم ضخامتها المالية، لم تُحدث الأثر الاجتماعي المرجو، ولم ترفع منسوب الثقة بين المواطن والدولة.
الأحزاب والبرلمان في قفص الاتهام
لم تقتصر رسائل الخطاب على الحكومة وحدها، بل طالت أيضًا البرلمان والأحزاب السياسية التي غابت عن تأطير المواطنين، واكتفت بالصمت والمجاملات.
دعوة الملك لهذه المؤسسات للقيام بدورها الحقيقي كانت بمثابة تذكير مؤلم بانكماش النخب السياسية وانفصالها عن الشارع، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى طاقات سياسية جديدة قادرة على إنتاج المبادرة والتأثير.
مرحلة المحاسبة الهادئة
حين أكد جلالة الملك أن التنمية “تتجاوز الزمن الحكومي والبرلماني”، فقد أراد القول إن مشروع الدولة الإصلاحي مستمر، وإن من لا يساير هذا الإيقاع مكانه ليس في المسؤولية.
إنها صيغة مهذبة لإعلان بداية مرحلة جديدة من المحاسبة الهادئة، حيث لن تنفع الأعذار التقليدية من قبيل الجفاف أو الأزمات العالمية.
اليوم، كما جاء في الخطاب، المطلوب هو عمل ميداني، وعدالة في توزيع الثروة، واستثمار ناجع ينعكس على حياة المواطنين.
صفعة سياسية ومساءلة أخلاقية
في الجوهر، يمكن القول إن الخطاب الملكي سحب الغطاء السياسي والأخلاقي عن حكومة أخنوش، ووضعها أمام امتحان حاسم: إما أن تعيد ترتيب أولوياتها بما يخدم المواطن البسيط، أو أن تواجه السقوط السياسي في ما تبقى من ولايتها.
فهذا الخطاب لم يكن افتتاحًا شكليًا للسنة التشريعية، بل صفعة سياسية مدوّية لمن توهم أن الصمت الشعبي رضا، ولمن ظن أن رئاسة الحكومة حصانة ضد المحاسبة.
الملك تحدث باسم المغرب العميق الذي تعب من الانتظار، ليذكّر الجميع أن السلطة الحقيقية تُقاس بما يُنجز على الأرض لا بما يُعلن في المنابر.
تعليقات الزوار