من “الخير” إلى “الاستغلال”: كيف تستخدم جمعيات “مفصلة” لشراء الولاءات بالدقيق والزيت في برشيد؟

هبة زووم – أحمد الفيلالي
في مشهد يسيء إلى جوهر العمل الاجتماعي ويمسّ كرامة المواطن، تفجّرت بمدينة برشيد فضيحة مرتبطة بتوزيع “بونات” قفة رمضان، في واقعة كشفت مرة أخرى هشاشة الحدود بين الإحسان الحقيقي والاستغلال السياسي الممنهج للفقر والهشاشة.
الصدمة لم تكن في توزيع المساعدات في حد ذاته، بل في الرمزية الفجّة التي رافقته، بعدما وُضع اختصار اسم المانح أعلى القسيمة، في سلوك لا يمكن قراءته إلا كرسالة انتخابية مبكرة، تُحوّل القفة الغذائية من فعل تضامني إلى وسم سياسي، ومن مساعدة اجتماعية إلى أداة تسويق شخصي على حساب كرامة المستفيدين.
ما جرى يؤكد أن بعض الفاعلين ما زالوا يتعاملون مع الفقر لا باعتباره معضلة بنيوية تستوجب سياسات عمومية عادلة، بل فرصة سياسية تُستثمر عند الحاجة، خصوصاً في مواسم دينية حساسة، حيث يُفترض أن يسمو الفعل الإنساني عن الحسابات الضيقة.
الأخطر في هذه الواقعة ليس فقط “البصمة” على القفة، بل التواطؤ الرمزي الذي رافقها، من خلال تدوينة صادرة عن نائب رئيسة جماعة برشيد، اختار الاصطفاف في خانة الترويج لهذا “الاستعراض الاجتماعي”، متجاهلاً أن الجمعية المشرفة على التوزيع باتت تُصنّف في نظر الرأي العام كواجهة مسيّسة، لا كفاعل مدني مستقل.
ويثير هذا السلوك أسئلة محرجة حول احترام القوانين المنظمة للعمل الخيري، والتي تُلزم بمرور المساعدات الاجتماعية عبر قنوات السلطات المحلية، ضماناً للحياد ومنعاً لأي توظيف سياسي أو انتخابي.
فهل يجهل نائب مسؤول جماعي هذه المقتضيات؟ أم أن الأمر يعكس استخفافاً متعمداً بمنطق المؤسسات، ومحاولة لفرض الأمر الواقع تحت غطاء “الإحسان”؟
إن ما وقع يُعيد إلى الواجهة ممارسات يفترض أنها اندثرت، حيث تُستعمل جمعيات “مفصّلة على المقاس” لتوزيع الدقيق والزيت مقابل التعاطف والولاء، في إعادة إنتاج فجّة لثقافة الريع السياسي، ولكن بلباس اجتماعي.
الأكثر إثارة للقلق هو الصمت المطبق للسلطات المحلية إزاء هذا الخرق الواضح، رغم وضوح رموزه ودلالاته. صمت يضع نزاهة الأجهزة الرقابية على المحك، ويطرح سؤالاً جوهرياً حول دورها في حماية كرامة الفئات الهشة من الاستغلال السياسي المقنّع.
فالعمل الخيري لا يُقاس بعدد القفف ولا بحجم الصور المتداولة، بل بسلامة المسطرة، وشفافية النية، واحترام الإنسان بوصفه مواطناً لا رقماً انتخابياً.
ما حدث في برشيد ليس حادثاً معزولاً، بل مؤشر مقلق على استمرار خلط متعمد بين العمل الاجتماعي والسياسة، حيث يُستغل الجوع كوسيلة ضغط، وتُفرغ مبادئ التضامن من مضمونها الأخلاقي.
وإما أن تتحرك الجهات الوصية لوضع حد لهذا الانحراف وحماية الفعل الخيري من التوظيف، وإما أن يستمر العبث، بما يحمله من ضرب لثقة المواطنين في المؤسسات، وإهانة صريحة لكرامة من لا يملكون سوى صبرهم.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد