حسن غربي – الحسيمة
يُفترض أن يشكّل سوق الثلاثاء أحد الأعمدة الأساسية للحركية الاقتصادية والاجتماعية بمدينة الحسيمة، وفضاءً منظمًا يوفّق بين مصالح التجار وراحة الساكنة.
غير أن الواقع الميداني يكشف، في الآونة الأخيرة، عن صورة مقلقة لسوق تحوّل تدريجيًا إلى بؤرة للفوضى والعشوائية، في غياب واضح للتنظيم والرقابة، ما يطرح أسئلة جوهرية حول نجاعة التدبير المحلي وحدود المسؤوليات.
هذا، وأصبحت المداخل المؤدية إلى السوق، ومعها عدد من الأزقة والشوارع المجاورة، رهينة احتلال عشوائي للملك العام، حيث يعمد باعة متطفلون على المهنة إلى عرض سلعهم وسط الطرقات والأرصفة، ضاربين عرض الحائط أبسط قواعد السلامة والتنظيم.
هذا الوضع لا يعرقل حركة السير فحسب، بل يخلق اختناقًا مروريًا خانقًا، يبلغ ذروته قبيل موعد الإفطار، حين تتحول المنطقة إلى فضاء شبه مشلول.
ولا تقل الأضرار البيئية خطورة عن الفوضى المرورية، إذ تُخلّف هذه الأنشطة غير المنظمة كميات كبيرة من النفايات وبقايا السلع، في غياب تام لأي التزام بالنظافة أو احترام للفضاء العام، ما يسيء إلى المشهد الحضري ويقوّض مجهودات المدينة في تحسين صورتها وجاذبيتها.
خلال شهر رمضان، تتضاعف حدة هذه الاختلالات، حيث تجد الساكنة المجاورة للسوق، خاصة بحي مروبيخو، نفسها أمام واقع يومي مثقل بالإزعاج والتلوث البصري والبيئي.
فالمصلّون المتوجهون إلى صلاة العشاء والتراويح يُجبرون على المرور وسط الأزبال والفوضى، في مشهد يتنافى مع حرمة الطريق وقدسية الشهر الفضيل.
الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، إذ تُسجّل مشادات كلامية وسلوكيات غير لائقة بين بعض الباعة، تُبرَّر أحيانًا بضغط الصيام، لكنها في الحقيقة تعكس غياب الضبط وغياب الردع.
هذه التصرفات لا تمس فقط أخلاقيات التجارة، بل تزرع الخوف والتوتر في صفوف المتسوقين، وتفرغ السوق من دوره كفضاء آمن ومشترك.
في ظل هذا الوضع المتأزم، تبرز مسؤولية السلطة المحلية بوصفها الجهة القانونية المخوّل لها تنظيم الفضاء العام وحماية الملك العمومي. فاستمرار مظاهر التسيّب يثير تساؤلات حقيقية حول فعالية التدخلات الميدانية، وحول سبب تكرار نفس المشاهد يوميًا، خصوصًا في الفترات الزمنية الحساسة التي تعرف ضغطًا بشريًا كبيرًا.
كما تتجه الأنظار إلى عامل إقليم الحسيمة، باعتباره المسؤول الأول عن التنسيق بين مختلف المتدخلين، من جماعة محلية وسلطات أمنية ومصالح نظافة، من أجل وضع حد لهذا الانفلات الذي يسيء إلى صورة المدينة ويُفقد المواطنين ثقتهم في قدرة الإدارة على فرض النظام.
إن الدعوة إلى تنظيم سوق الثلاثاء لا تعني بأي حال التضييق على أرزاق الناس أو محاربة الباعة البسطاء، بل تهدف إلى إرساء توازن عقلاني بين الحق في العمل وواجب احترام القانون.
فتنظيم أماكن البيع، وضبط توقيت النشاط، وتعزيز المراقبة خلال الفترات الحرجة، كلها إجراءات كفيلة بإعادة الاعتبار لهذا المرفق الحيوي.
ويبقى الرهان الحقيقي هو الانتقال من منطق التساهل المؤقت إلى منطق الحكامة المستدامة، بما يضمن سوقًا منظمًا، نظيفًا وآمنًا، يليق بمدينة الحسيمة وساكنتها، ويعكس صورة حضرية تحترم الإنسان والمكان.
تعليقات الزوار