حين يتقدّم الرمز ويتأخر السلوك: مظلة واحدة تفضح أعطاب الحقوق والحكامة

هبة زووم – الرباط
في افتتاح كأس إفريقيا، لم تكن الأنظار موجهة فقط إلى العشب الأخضر ولا إلى البروتوكول الرسمي، بل التقطت عدسات الكاميرا تفصيلاً رمزياً بالغ الدلالة: ولي العهد الأمير مولاي الحسن واقفٌ تحت زخّات المطر دون مظلة، في مشهد بسيط، هادئ، ومحمّل بالمعنى.
في المقابل، ظهرت، قبل أيام، رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان محتمية بمظلة يحملها شخص آخر، في صورة تختزل عقلية امتياز ما تزال متجذّرة داخل بعض مؤسسات الحكامة.
ليست المسألة هنا مقارنة أشخاص، ولا قراءة في الطقس أو البروتوكول، بل مقارنة في الذهنيات، فحين يتخلى رمز الدولة عن أي مظاهر تمييز أو امتياز، ويقف وسط الظروف الطبيعية كما يقف باقي الحضور، بينما تُصرّ مؤسسة يُفترض أن تدافع عن الكرامة الإنسانية على تكريس صورة التفوق الرمزي، فإن الرسالة تصبح معكوسة وخطيرة.
المجلس الوطني لحقوق الإنسان، كما المجلس الوطني للصحافة، ومؤسسات أخرى ترفع شعارات الحقوق والحريات، مطالَبة قبل غيرها بتجسيد هذه القيم في السلوك اليومي، لا في البلاغات ولا في الصور الترويجية.
فالحقوق لا تُقاس بعدد الندوات، ولا بجمالية الشعارات، ولا بالحضور في المنصات، بل بمدى احترام الكرامة الإنسانية في التفاصيل الصغيرة قبل الملفات الكبرى.
أن يحمل شخصٌ آخر مظلة لمسؤولة حقوقية، في سياق عمومي، ليس فعلاً بريئاً ولا عادياً، بل هو تعبير عن ثقافة تراتبية ترى في المنصب قيمة أعلى من الإنسان، وفي المسؤول كائناً فوقيّاً لا يلامس الأرض ولا المطر.
وهي الثقافة نفسها التي تفرغ الخطاب الحقوقي من مضمونه، وتحوله إلى زينة مؤسساتية بلا روح.
ما وقع ليس حادثة بروتوكولية عابرة، بل مرآة لخلل أعمق: خلل في فهم معنى المسؤولية، وفي استيعاب التحولات التي يعرفها المغرب، حيث لم يعد مقبولاً أن تسبق الامتيازات القيم، ولا أن تتقدم الصور على الجوهر.
الرسالة التي التقطها الرأي العام كانت واضحة، وربما أقوى من أي خطاب رسمي: تجديد النخب لم يعد خياراً سياسياً، بل ضرورة أخلاقية ومؤسساتية.
فالدولة التي تتقدم برموزها نحو البساطة والتواضع، لا يمكن أن تُساق إلى الوراء بعقليات الامتياز والوصاية.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد