طنجة تُركنُ تحت الغرامة: عندما تتحوّل “العدالة المجالية” إلى جباية مقنّعة وامتهان لكرامة المواطن

هبة زووم – طنجة
تعيش مدينة طنجة هذه الأيام على وقع تصعيد اجتماعي صامت، تحركه تفاصيل صغيرة في الظاهر، لكنها عميقة في رمزيتها.
الواقعة الأخيرة التي تفجرت عقب توصل أحد المواطنين بغرامة مالية لركن سيارته أمام منزله، ليست حالة فردية معزولة، بل عنوان لسياسة تدبيرية أصبحت تنتهك الفضاء الشخصي، وتمس في الجوهر علاقة المواطن بالإدارة، وتحول مفهوم “الخدمة العمومية” إلى مجرد واجهة لجباية مقنّعة.
تاريخ الغرامة، 16 يوليوز 2025، والمخالفة رقم 25CV225، قد لا يعنيان الكثير على الورق، لكنهما في واقع طنجة يشكلان لحظة مفصلية في تأريخ علاقة الجماعة بشوارعها وساكنتها.
ففي زمن تُرفع فيه شعارات “التحول الرقمي” و”العدالة المجالية”، نكتشف أن المواطن مجبر على الدفع فقط لأنه قرر أن يركن عربته أمام باب بيته، وليس في شارع تجاري أو مركز أعمال، وهو ما يضع سؤالًا مقلقًا: إلى أي حدّ يمكن أن تنحدر السلطة الجماعية في اختزال العلاقة مع المواطن إلى مجرد عُملة تُحصى في نهاية كل يوم؟
ما يجعل الأمر أكثر خطورة هو السياق الذي تجري فيه هذه الممارسات، والمبررات التي تتستر خلفها. القرار التنظيمي رقم 1357/2022 الذي أقرّته جماعة طنجة، لم تتم صياغته بمنطق تشاركي، ولا سبقه أي حوار حقيقي مع المجتمع المدني أو تمثيليات الساكنة، بل فُرض كأمر واقع باسم “تنظيم السير والجولان”، دون تقديم بدائل محترمة أو صيغة إنسانية للتنزيل.
لم يتم تخصيص بطاقات سكنية، ولا إحداث آلية تمييز بين الفضاء العام وعتبات البيوت، بل جرى اعتماد مقاربة ميكانيكية هدفها الأوحد هو الرفع من مداخيل الشركة المفوض لها التدبير، ولو على حساب المبدأ الدستوري الذي يُفترض أن يجعل من الجماعة شريكًا في التنمية، لا خصمًا في تفاصيل الحياة اليومية.
إن هذه الحالة تعكس عمق الأزمة التي تعيشها المدينة، ليس فقط من حيث البنية التحتية أو الفوضى المرورية، بل في فلسفة التسيير ذاتها، حيث يتم التعامل مع الساكنة كمجرد “أرقام ضريبية”، وليس كمواطنين لهم حقوق وكرامة وفضاءات شخصية يجب احترامها.
هذا النمط من التدبير يُعيد إنتاج الاحتقان الاجتماعي بصيغة ناعمة، ويزرع بذور التوتر بين المواطن ومؤسساته، لأن ما يحدث هو ضرب مباشر للثقة، تلك العملة الرمزية التي لا يمكن لأي جماعة أو إدارة أن تنجح بدونها.
اللافت أن الجماعة اختارت الصمت، رغم تناسل حالات مماثلة وارتفاع الأصوات الرافضة، وكأنها تنأى بنفسها عن المسؤولية السياسية والأخلاقية لما يحدث. لا بل أكثر من ذلك، فهي تُمارس تواطؤًا صريحًا مع شركة تحوّلت إلى سلطة فوق الجماعة نفسها، تصول وتجول داخل الأزقة، وتُسطّر الغرامات حتى في المناطق غير المعلنة كمؤدى عنها، وتقوم بذلك ببرودة بيروقراطية لا تُبالي لا بالخصوصية السكنية ولا بالعدالة الاجتماعية.
لسنا ضد التنظيم، ولا نرفض تقنين الفضاء العام أو عقلنة استعمال الطرقات. لكننا نرفض أن يُمارس التنظيم بآليات تعسفية تُخضع المدينة لمنطق الربح، على حساب المواطن البسيط. فالمقاربة المعتمدة تُشبه استعمارًا ناعمًا للملك العمومي، حيث لا صوت يعلو فوق صوت “الغرامة”، ولا وجود لأي حس تشاركي يعترف بأن المدينة فضاء مشترك لا شركة مُستثمرة.
إن طنجة، المدينة ذات التاريخ الثقافي والاقتصادي العريق، لا تستحق أن تُحوّل إلى حقل تجارب لسياسات فاشلة في تدبير الفضاء الحضري. وإذا كان المسؤولون يعتقدون أن الصمت سيكون درعًا يقيهم من المساءلة، فعليهم أن يدركوا أن الاحتقان يتراكم، وأن الغضب الشعبي قد ينفجر في لحظة، ليس فقط ضد الشركة المفوضة، بل ضد من سلّمها المدينة على طبق من صمتٍ مريب.
لقد تحولت المخالفة البسيطة في زنقة نوفيل إلى وثيقة اتهام، وصرخة رمزية في وجه العبث، ولعلها ستكون شرارة وعي جديد يُطالب باستعادة المدينة من قبضة “الكراء الزمني للشوارع”، وبإعادة الاعتبار لمعنى أن تكون مواطنًا لا زبونًا في سجلات الجبايات.
في النهاية، يمكن أن نقول وبكل أريحية من يركن اليوم أمام بيته لا يرتكب جريمة، بل من يسرق المدينة من أهلها هو الجاني الحقيقي.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد